التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٩ - هل تجوز مراجعة أهل الكتاب؟
و اسمعي يا جارة». كان الخطاب في ظاهره مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غير أنّ المقصود غيره من المتشكّكين في أمر الرسالة، و ليسوا هم المسلمين أيضا، بل الكفّار و المنافقون هم المقصودون، بدليل صدر الآية و ذيلها: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ»[١].
و العجب من الذهبيّ كيف يزعم أنّ هذه الآية جاءت رخصة للنبيّ في مراجعة أهل الكتاب؟! أو هل يشكّ النبيّ فيما أُنزل إليه؟! أو هل يمتري النبيّ في صدق رسالته كي يؤمر بالانتهاء منه؟!
لا شكّ أنّ المقصود غيره من الذين كانوا يتشكّكون في صدق رسالته، و لقد كان المرجع الوحيد الذي يمكن اولئك المتشكّكين اللّجوء إليه هم «أهل الكتاب» الذين جاوروهم، و ليس النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بمقصود البتّة، و لا المسلمون المعتقدون بصحّة الرسالة.
و هكذا قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ»[٢] خطاب محض موجّه إلى العرب الجاهليّ.
*** أمّا حديث «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» فهو كناية عن التوسّع في تفضيع شأنهم؛ حيث كلّ ما حدّثْته عنهم من رذائل و فضائح فهو حقّ لا مرية فيه؛ حيث توسّعهم في ارتكاب الآثام و ركوبهم جميع القبائح المحتملة بشأنهم، كما جاء في المَثَل: «حَدّث عن البحر و لا حرج» كناية عن التوسّع في الأمر، و أنّه كلّ ما قلتَ عنه فهو صحيح. و منه قولهم بشأن معن بن زائدة الشيبانيّ و كان من أجواد العرب: «حدِّث عن معن و لا حرج»، كناية عن توسّعه في المكرمات، فكلّ ما حدّثْتَ عنه من فضيلة، فهو صدق واقع[٣].
فهذا تعبير كنائيّ عن مطلق التوسّع في أمر إن شينا أو زينا، و ليس المقصود التحدّث، بمعنى الرواية و النقل عنهم.
[١] -. يونس ٩٤: ١٠.
[٢] -. النحل ٤٣: ١٦.
[٣] -. راجع: مجمع الأمثال للميدانيّ، ج ١، ص ٢٠٧، رقم ١١٠٣؛ فرائد الأدب للأب لويس معلوف.