التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - هل تجوز مراجعة أهل الكتاب؟
أحدها: ما علمنا صحّته ممّا بأيدينا ممّا يشهد له بالصدق.
و الثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا ممّا يخالفه.
و الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل و لا من هذا القبيل، فلا نؤمن به و لا نكذّبه، و تجوز حكايته، لما تقدّم[١]. و غالب ذلك ممّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينيّ و لهذا اختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا، في مثل أسماء أهل الكهف و أسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم، ممّا لا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم و دينهم. و لكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز[٢].
و يستدلّ الذهبيّ لجواز مراجعة أهل الكتاب و النقل عنهم فيما لا يخالف الشريعة بآيات، زعم دلالتها على إباحة الرجوع إليهم، قال:
و إذا نحن نظرنا في القرآن الكريم، وجدنا من آياته البيّنات ما يدعو نبيّ الإسلام و جماعة المسلمين إلى أن يرجعوا إلى علماء أهل الكتاب من اليهود و النصارى ليسألوهم عن بعض الحقائق التي جاءت في كتبهم، و جاء بها الإسلام فأنكروها، أو أغفلوها، ليقيم عليهم الحجّة، و لعلّهم يهتدون.
و من هذه الآيات الدالّة على إباحة رجوع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و من تبع دينه من المسلمين إلى أهل الكتاب قوله تعالى: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ»[٣]، و قوله: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»[٤]، و قوله: «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا»[٥]. قال: و معناه: و اسأل أُممهم و علماء دينهم. قال الفرّاء مبيّنا وجه المجاز في الآية: هم إنّما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنّه سأل الأنبياء عليهم السلام، و قوله: «وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ
[١] -. من عدم تصديقهم و لا تكذيبهم فيما يحكونه. ذكر ذلك في ص ١٩ من رسالته.
[٢] -. مقدّمة في اصول التفسير، ص ٤٥- ٤٦، المطبعة السلفيّة؛ راجع: تفسير ابن كثير( المقدّمة)، ج ١، ص ٤.
[٣] -. يونس ٩٤: ١٠.
[٤] -. الأنبياء ٧: ٢١؛ النحل( ١٦): ٤٣.
[٥] -. الزخرف ٤٥: ٤٣.