التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - الإسرائيليات في التفسير و الحديث
قليلًا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. لا واللّه ما رأينا منهم رجلًا قطّ يسألكم عن الذي أُنزل عليكم»[١].
*** و كان من الآثار السيّئة التي خلّفتها مراجعة أهل الكتاب رغم نهي النبيّ عنها أن خلطت الأكاذيب الإسرائيليّة بالتفسير و الحديث الوارد عن النبيّ و الخيار من صحابته الأجلّاء، فشوّهت وجه التفسير، فضلًا عن التاريخ و الحديث. و سوف نذكر نماذج من هذا التشويه، و لا سيّما في التفسير بالمأثور.
قال ابن خلدون: و صار التفسير على صنفين: تفسير نقليّ مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، و هي معرفة الناسخ و المنسوخ و أسباب النزول و مقاصد الآي، و كلّ ذلك لا يعرف إلّا بالنقل عن الصحابة و التابعين، و قد جمع المتقدّمون في ذلك و أرْوعَوا، إلّا أنّ كتبهم و منقولاتهم تشتمل على الغثّ و السمين و المقبول و المردود. و السبب في ذلك: أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب و لا علم، و إنّما غلبت عليهم البداوة و الأُمّيّة، و إذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشريّة، في أسباب المكوّنات و بدء الخليقة و أسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، و يستفيدونه منهم، و هم أهل التوراة من اليهود، و من تبع دينهم من النصارى. و أهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، و لا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، و معظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشرعيّة التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة و ما يرجع إلى الحِدْثان و الملاحم و أمثال ذلك. و هؤلاء مثل كعب الأحبار و وهب بن منبّه و عبداللّه بن سلام و أمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم.
و تساهَلَ المفسّرون في مثل ذلك، و ملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما
[١] -. المصدر نفسه، ج ٩، ص ١٣٦ و ج ٣، ص ٢٣٧. و في الموضعين بعض الاختلاف في لفظ الحديث.