التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٣ - ألوان التفسير الموضوعي
و استنطاق له، و ليس مجرّد استجابة انفعاليّة، بل استجابة فعّالة و توظيفا هادفا للنصّ القرآنيّ في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام و هو يتحدّث عن القرآن الكريم:
«ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق، و لكن أُخبركم عنه؛ ألا إنّ فيه علم ما يأتي و الحديث عن الماضي، و دواء دائكم و نظم ما بينكم»[١].
التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن، أروع تعبير عن عمليّة التفسير الموضوعيّ بوصفها حوارا مع القرآن الكريم و طرحا للمشاكلّ الموضوعيّة عليه بقصد الحصول على الإجابة القرآنيّة عليها[٢].
إذن كانت وظيفة التفسير الموضوعيّ دائما في كلّ مرحلة و في كلّ عصر أن يحمل المقولات التي تعلّمها خلال تجربته البشريّة ليضعها بين يدي القرآن ليحكم عليها بما يمكن لهذا المفسّر أن يفهمه أن يستشفّه أن يتبيّنه من خلال مجموعة آياته الشريفة ..
إذن فهنا يلتحم مع القرآن، كما يلتحم مع الحياة، لأنّ التفسير يبدأ من الواقع و ينتهي إلى القرآن، بوصفه القيّم و المرجع الذي يحدّد الاتّجاهات الربّانيّة بالنسبة إلى ذلك الواقع ..
و من هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائما، قدرته على العطاء المستجدّ دائما، قدرته على الإبداع كلّ آن .. لأنّ القرآن عطاء لا ينفد و منحة لا تنضب .. بل يجري كما تجري الشمس و القمر ..
هذا بينما طاقات التفسير اللغويّ- مثلًا- طاقات متناهية و محدودة، و ليس هناك تجدّد في مدلول لغويّ، و لو وجد فلا معنى لتحكيمه على القرآن ..
إذن هذا العطاء الدائم المستجدّ في كلّ عصر و في كلّ دور، هي هذه المعاني التي لا تنتهي للقرآن، والتي تكمن في هذا المنهج، منهج التفسير الموضوعيّ للقرآن، لأنّا نستنطق القرآن و القرآن يجيب، و إنّ في القرآن علم ما كان و علم ما يكون، و فيه دواء
[١] -. نهج البلاغة، خطبة رقم ١٥٨.
[٢] -. المدرسة القرآنيّة، ص ١٩- ٢١.