التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٠ - منهج المؤلف في التفسير
جمهوريّته، أو بما جاء عن إخوان الصفا في رسائلهم، و هو حين ينقلها يُبدي رضاه عنها و تصديقه بها، في حين أنّها تخالف في ظاهرها ما عليه أصحابه السلفيّون الأشاعرة[١].
و هكذا نراه قد يستخرج كثيرا من علوم القرآن بواسطة حساب الجمل، الذي لا نكاد نصدّق بأنّه يوصل إلى حقيقة ثابتة. قال الذهبيّ: و إنّما هي عدوى تسرّبت من اليهود إلى المسلمين، فتسلّطت على عقول الكثير منهم.
هذا، و إنّا نجد المؤلّف يفسّر آيات القرآن تفسيرا يقوم على نظريّات علميّة حديثة، غير مستقرّة في ذاتها، و لم تمض فترة التثبّت منها، و هذا ضرب من التكلّف ارتكبه المؤلّف، إن لم يكن يذهب بغرض القرآن أحيانا، فلا أقلّ من أن يذهب بروائه و بهائه.
و تكفيك مراجعة عبرى إلى هذا التفسير لكي تعرف مغزى هذا النقد الخطير، و قد أتى الذهبيّ بنماذج من هذا النمط العليل، و استنتج أخيرا: أنّ الكتاب في ذاته موسوعة علميّة، ضربت في كلّ فنّ من فنون العلم بسهم وافر، ممّا جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الإمام الرازيّ؛ إذ قيل عنه: «فيه كلّ شيء إلّا التفسير» بل هو أحقّ من تفسير الرازيّ بهذا الوصف و أولى به. و إن دلّ الكتاب على شيء، فهو أنّ المؤلّف إنّما يحلّق في أجواء خياله، و يسبح حسب زعمه في ملكوت السماوات و الأرض، و يطوف في نواح شتّى من العلم بفكره و عقله، ليجلّي للناس آيات اللّه في الآفاق و الأنفس، و ليظهر لهم أنّ القرآن قد جاء بكلّ ما جاء به الإنسان من علوم و نظريّات، تحقيقا لقوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»[٢]. و لكنّ هذا خروج بالقرآن عن قصده، و انحراف به عن هدفه، و لعلّه إطاحة بشأنه في كثير من الأحيان، و يبدو من خلال التفسير أنّه لاقى الكثير من لوم العلماء على مسلكه هذا الذي سلكه في تفسيره، و لم تلق هذه النزعة التفسيريّة قبولًا
[١] -. الأمر الذي جعل الحكومة السعوديّة أن أصدرت الأمر بمصادرة الكتاب، و عدم السماح بدخوله إلى الحجاز.
يجد القارئ ذلك في نصّ الكتاب المرسل من المؤلّف إلى الملك عبد العزيز آل سعود في الجزء ٢٥، ص ٢٤٤. نقلًا عن: التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٥٠٨.
[٢] -. الأنعام ٣٨: ٦.