التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٣ - التفسير في اتجاه عصري
التفسير في اتّجاهٍ عصريّ
لم يترك الأقدمون لمن تأخّر عنهم كبير جهد في تفسير كتاب اللّه، و الكشف عن معانيه و البلوغ إلى مراميه، فقد تناولوه من أوّل أمرهم بدراسته التفسيريّة التحليليّة دراسة توسّعت و اطّردت مع الزمن على تدرّج ملحوظ، و تلوّن بألوان مختلفة حسبما عرفت.
و لا شكّ أنّ كلّ ما يتعلّق بالتفسير من الدراسات المختلفة قد وفّاه هؤلاء المفسّرون القُدامى حقّه من البحث و التحقيق، فالنواحي اللغويّة و البلاغيّة و الأدبيّة و النحويّة، و حتّى الفقهيّة و الكلاميّة و الكونيّة الفلسفيّة، كلّ هذه النواحي و غيرها تناولوها بتوسّع ظاهر ملموس، لم يتركوا لمن جاء بعدهم إلى ما قبل عصرنا بقليل من عمل جديد أو أثر مبتكر يقومون به في تفاسيرهم التي دوّنوها، سوى أعمال جانبيّة لا يعدو أن يكون جمعا لأقوال المتقدّمين، أو شرحا لغامض آرائهم، أو نقدا أو تفنيدا لما يعتوره الضعف منها، أو ترجيحا لرأي على رأي؛ ممّا جعل التفسير يقف وقفة طويلة مليئة بالركود، خالية من التجديد و الابتكار.
و لقد ظلّ الأمر على هذا، و بقي التفسير واقفا عند هذه المرحلة- مرحلة الركود و الجمود- لا يتعدّاها، و لا يُحاوَل التخلّص منها. حتّى جاء عصر النهضة العلميّة الحديثة، فاتّجهت أنظار العلماء الذين لهم عناية بدراسة التفسير إلى أن يتحرّروا من قيد هذا الركود، و يتخلّصوا من نطاق هذا الجمود، فنظروا في كتاب اللّه نظرة فاحصة من جديد