التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٧ - التعريف بهذا التفسير
هذا، لا يزيد و لا ينقص، و لهذه الحقيقة الإلهيّة جعل اللّه الفلك الأقصى ثلاث مائة و ستّين درجة، و كلّ درجة مجملة لما تحوي عليه من تفصيل الدقائق و الثواني و الثوالث إلى ما شاء اللّه سبحانه، ممّا يظهره في خلقه إلى يوم القيامة، و سُمّي هذا القلم الكاتب.
ثمّ إنّ اللّه سبحانه و تعالى أمر أن يُولَّى على عالم الخلق اثنا عشر واليا، يكون مقرّهم في الفلك الأقصى منّا في بروج، فقسّم الفلك الأقصى اثني عشر قسما، جعل كلّ قسم برجا لسكنى هؤلاء الولاة، مثل أبراج سور المدينة، فأنزلهم اللّه إليها فنزلوا فيها، كلّ والٍ على تخت في برجه، و رفع اللّه الحجاب الذي بينهم و بين اللوح المحفوظ، فرأوا فيه مُسطَّرا أسماؤهم و مراتبهم و ما شاء الحقّ أن يجريه على أيديهم في عالم الخلق إلى يوم القيامة، فارتقم ذلك كلّه في نفوسهم و علموه علما محفوظا لا يتبدّل و لا يتغيّر»[١].
و قال في الباب الثاني الذي وضعه لمعرفة مراتب الحروف- الفصل الأوّل-:
«ثمّ إنّه في نفس النون الرقميّة (ن) التي هي شطر الفلك من العجائب ما لا يقدر على سماعها إلّا من شدّ عليه مئزر التسليم، و تحقّق بروح الموت الذي لا يتصوّر ممّن قام به اعتراض و لا تطلّع، و كذلك في نفس نقطة النون أوّل دلالة النون الروحانيّة المعقولة فوق شكل النون السفليّة، التي هي النصف من الدائرة، و النقطة الموصولة بالنون المرقومة الموضوعة، أوّل الشكل، التي هي مركز الألف المعقولة، التي بها يتميّز قطر الدائرة، و النقطة الأخيرة التي ينقطع بها شكل النون، و ينتهي بها هي رأس هذا الألف المعقولة المتوهّمة، فتقدر قيامها من رقدتها فترتكز لك على النون، فيظهر من ذلك حرف اللام، و النون نصفها زاء مع وجود الألف المذكورة، فتكون النون بهذا الاعتبار تعطيك الأزل الإنسانيّ، كما أعطاك الألف و الزاء و اللام في الحقّ. غير أنّه في الحقّ ظاهر؛ لأنّه بذاته أزليّ لا أوّل له، و لا مفتتح لوجوده في ذاته، بلا ريب و لا شكّ.
و لبعض المحقّقين كلام في الانسان الأزليّ، فنسب الإنسان إلى الأزل، فالإنسان خفي
[١] -. الفتوحات المكّيّة، ج ١، ص ٢٩٤- ٢٩٥.