التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٦ - التعريف بهذا التفسير
قال في الباب الستّين الذي وضعه لمعرفة العناصر و سلطان العالم العِلويّ على العالم السُفليّ:
«اعلم أنّ اللّه تعالى لمّا تسمّى بالمَلِك رتّب العالم ترتيب المملكة، فجعل له خواصّا من عباده، و هم الملائكة المهيمنة جلساء الحقّ تعالى بالذكر لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون، يسبّحون الليل و النهار لا يفترون. ثمّ اتّخذ حاجبا من الكروبيّين واحدا أعطاه علمه في خلقه، و هو علم مفصّل في إجمال، فعِلمه سبحانه كان فيه مجلّى له، و سمّى ذلك المَلَك «نونا» فلا يزال معتكفا في حضرة علمه عز و جل و هو رأس الديوان الإلهيّ، و الحقّ من كونه عليما لا يحتجب عنه. ثمّ عيّن من ملائكته مَلَكا آخر دونه في المرتبة سمّاه «القلم» و جعل منزلته دون منزلة «النون» و اتّخذه كاتبا، فيعلّمه اللّه سبحانه من علمه ما شاءه في خلقه بوساطة «النون»، و لكن من العلم الإجماليّ، و ممّا يحوي عليه العلم الإجماليّ علم التفصيل، و هو من بعض علوم الإجمال؛ لأنّ العلوم لها مراتب، من جملتها علم التفصيل. فما عند القلم الإلهيّ من مراتب العلوم المجملة إلّا علم التفصيل مطلقا، و بعض العلوم المفصّلة لا غير، و اتّخذ هذا الملك كاتب ديوانه و تجلّى له من اسمه القادر، فأمدّه من هذا التجلّي الإلهيّ، و جعل نظره إلى جهة عالم التدوين و التسطير، فخلق له لوحا و أمره أن يكتب فيه جميع ما شاء سبحانه أن يجريه في خلقه إلى يوم القيامة خاصّة، و أنزله منزلة التلميذ من الاستاذ، فتوجّهت عليه هنا الإرادة الإلهيّة، فخصّصت له هذا القدر من العلوم المفصّلة، و له تجلّيات من الحقّ بلا واسطة. و ليس للنون سوى تجلٍّ واحد في مقام أشرف، فإنّه لا يدلّ تعدّد التجلّيات و لا كثرتها على الأشرفيّة، و إنّما الأشرف من له المقام الأعمّ. فأمر اللّه النون أن يمدّ القلم بثلاث مائة و ستّين علما من علوم الإجمال، تحت كلّ علم تفاصيل، و لكن معيّنة منحصرة لم يعطه غيرها، يتضمّن كلّ علم إجماليّ من تلك العلوم ثلاث مائة و ستّين علما من علوم التفصيل، فإذا ضربت ثلاث مائة و ستّين في مثلها، فما خرج لك فهو مقدار علم اللّه تعالى في خلقه إلى يوم القيامة خاصّة، ليس عند اللوح من العلم الذي كتبه فيه هذا القلم أكثر من