التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٥ - التعريف بهذا التفسير
الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه؛ لأنّه من عند اللّه، فكذلك أقوال أهل الحقيقة في التفسير، لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها؛ لأنّها منزلة من عند اللّه.
يقرّر ابن عربيّ كلّ هذه المبادئ و يصرّح بها في فتوحاته.
يقول: «و ما خلق اللّه أشقّ و لا أشدّ من علماء الرسوم على أهل اللّه المختصّين بخدمته، العارفين به من طريق الوهب الإلهيّ، الذين منحهم أسراره في خلقه، و فهّمهم معاني كتابه و إشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام، و لمّا كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم- كما ذكرنا- عدل أصحابنا إلى الإشارات كما عدلت مريم عليهاالسلام من أجل أهل الإفك و الإلحاد إلى الإشارة. فكلامهم رضي الله عنهم في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، إشارات، و إن كان ذلك حقيقة و تفسيرا لمعانيه النافعة، ورد ذلك كلّه إلى أنفسهم مع تقريرهم إيّاه في العموم و فيما نزل فيه. كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم، فعمّ به سبحانه عندهم الوجهين، كما قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ»[١]، يعني الآيات المنزلة في الآفاق و في أنفسهم، فكلّ آية منزلة لها وجهان: وجه يرونه في نفوسهم، و وجه آخر يرونه فيما خرج عنهم، فيسمّون ما يرونه في نفوسهم إشارة، ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك، و لا يقولون في ذلك إنّه تفسير، وقاية لشرّهم و تشنيعهم في ذلك بالكفر عليه؛ و ذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحقّ، و اقتدوا في ذلك بسنن الهدى، فإنّ اللّه كان قادرا على تنصيص ما تأوّله أهل اللّه في كتابه، و مع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهيّة التي نزلت بلسان العامّة، علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم».[٢]
و تفاسيره بهذا النمط كثيرة و منبثّة في كتبه لا سيّما في «الفتوحات». خذ لذلك مثلًا ما ذكره بشأن قوله تعالى: «ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ»[٣] بما لا يرجع إلى محصّل.
[١] -. فصّلت ٥٣: ٤١.
[٢] -. راجع: الفتوحات المكّيّة، ج ١، ص ٢٧٩.
[٣] -. القلم ١: ٦٨.