التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٣ - ٣ لطائف الإشارات للقشيري
بالتيّارات الأجنبيّة، اليونان و الفرس و الهند.
كذلك تلحظ عبقريّة القشيريّ إزاء اللفظة أو الآية، حينما لا يكون فيها اصطلاح صوفيّ، فإنّه يستخرج لك من آيات الطلاق إشارات في الصحبة و الصاحب، و من علاقة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بأصحابه إشارات عن الشيخ و مريديه، و من مظاهر الطبيعة كالشمس و القمر و المطر و الجبال إشارات تتّصل اتّصالًا وثيقا بالرياضات و المجاهدات، أو بالمواصلات و الكشوفات.
و من ثمّ فإنّه من أوفق التفاسير الصوفيّة في الجمع بين الشريعة و الطريقة، و أسلمها عن الخوض في التأويلات البعيدة التي يأباها اللفظ و ينفرها، كما في سائر تفاسيرهم.
و لذلك فإنّ فيه بعض الشطحات أو التأويلات البعيدة، ممّا يعدّ تفسيرا بالرأي الممنوع منه شرعا، مثلًا عند قوله تعالى: «وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ»[١] يقول: الأمر في الظاهر بتطهير البيت، و الإشارة من الآية إلى تطهير القلوب. و تطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس و الأوضار، و تطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس و الأغيار.
و طواف الحجّاج حول البيت معلوم بلسان الشرع، و طواف المعاني معلوم لأهل الحقّ، فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، و قلوب الموحّدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين، و هؤلاء أرباب التمكين[٢].
و قلوب القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدا واقفة.
و قلوب الموحّدين على بساط الوصل أبدا راكعة.
و قلوب الواجدين على بساط القرب أبدا ساجدة.
[١] -. البقره ١٢٥: ٢.
[٢] -. التلوين و التمكين لفظان اصطلاحيّان: التلوين صفة أرباب الأحوال، و التمكين صفة أهل الحقائق. فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين؛ لأنّه يرتقي من حال إلى حال، و ينتقل من وصف إلى وصف، و هو أبدا في الزيادة. أمّا صاحب التمكين فوصل ثمّ اتّصل، و أمارة أنّه اتّصل أنّه بالكلّيّة عن كلّيّته بطل، و التغيير بما يرد علىالعبد إمّا لقوّهالوارد أو لضعفصاحبه، والسكون إمّا لقوّته أو لضعف الوارد عليه الرسالهالقشيريّة، ص ٤٤.