التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٢ - ٣ لطائف الإشارات للقشيري
نيسابور سنة (٣٧٦ ه.) و مات أبوه و هو صغير، فاتّجهت به أُسرته نحو طلب العلم، فبرع فيه حسبما دارت رحى العلم في ذلك العهد، في الفقه و الحديث و الأدب و الاصول و التفسير. و سار في درب الصوفيّة على يد أبي عليّ الحسن بن عليّ الدقّاق المتوفّى سنة (٤٠٥ ه.)[١] من كبار مشايخ الصوفيّة ذلك العهد، و قد أشار عليه أن يحضر حلقات درس أبي بكر الطوسيّ، و ابن فورك، و الإسفرايينيّ. و في أثناء ذلك كان يحضر مجلس أبي عليّ الدقّاق و كان قد زوّجه ابنته على كثرة أقاربها، و لمّا توفّي تردّد إلى دروس عبد الرحمان السُلَميّ المتوفَّى سنة (٤١٢ ه.) و عاشره[٢] حتّى أصبح شيخ خراسان في الفقه و الكلام، مع تصدير في الحديث و الوعظ و الإرشاد. و توفّي سنة (٤٦٥ ه.) بمدينة نيسابور.[٣]
و تفسيره هذا امتداد للتفسير الصوفيّ الباطنيّ، معتمدا في أكثر الأحيان على تأويلات قد ينبو عنها ظاهر لفظ الآية الكريمة. لكنّه مع ذلك حاول أن يوفّق بين علوم الحقيقة- حسب مصطلحهم- و علوم الشريعة، قاصدا أن لا تعارض بينهما، و أنّ أيّ كلام يناقض ذلك فهو خروج على كليهما؛ إذ كلّ شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة فغير مقبول، و كلّ حقيقة غير مقيّدة بالشريعة فغير محصول، فالشريعة أن تعبده، و الحقيقة أن تشهده. كما جاء في الرسالة القشيريّة[٤].
حاول في هذا التفسير أن يبرهن على أنّ كلّ صغيرة و كبيرة في علوم الصوفيّة، فإنّ لها أصلًا من القرآن. و يتجلّى ذلك بصفة خاصّة حيثما ورد المصطلح الصوفيّ صريحا في النصّ القرآنيّ، كالذكر و التوكّل و الرضا، و الوليّ و الولاية و الحقّ، و الظاهر و الباطن، و القبض و البسط. فإنّك عند خلال قراءة التفسير لا تكاد تملك إلّا أن تحكم أنّ الصوفيّة قد استمدّوا أُصولهم و فروعهم من كتاب اللّه الكريم، و أنّ علومهم ليست غريبة و لا مستوردة، كما يحلو لكثير من الباحثين، حين يرون التصوّف الإسلاميّ متأثّرا
[١] -. نفحات الأنس للجاميّ، ص ٢٩١.
[٢] -. سير أعلام النبلاء، ج ١٨، ص ٢٢٩.
[٣] -. وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٢٠٦.
[٤] -. الرسالة القشيريّة، ص ٤٦؛ راجع: تفسير القشيريّ المقدّمة، ج ١، ص ١٨.