التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٣ - التنويع في التفسير الباطني
*** و يجدر بنا أن ننبّه على أنّ تفاسير الصوفيّة ليست على نمط واحد من الاعتبار أو السقوط، بل بين رفيع و وضيع، و أسلم تفاسيرهم، هو تفسير القشيريّ نسبيّا؛ حيث خلوّه عن أكثر شطحات الصوفيّة المعروفة عنهم. و أسلم منه تفسير الميبديّ الموسوم ب- «كشف الأسرار و عدّة الأبرار» على ما سنذكره.
التنويع في التفسير الباطنيّ
قد يُنَوَّع التفسير الصوفيّ إلى نوعين: نظريّ و فيضيّ، حسب تنويع المتصوّفة إلى تصوّف نظريّ و عمليّ، ليكون التصوّف النظريّ مبتنيا على البحث و الدراسة، أمّا التصوّف العمليّ فهو الذي يقوم على التقشّف و التزهُّد و التفاني في العبادة (الأذكار و الأوراد).
و عليه فالتفسير الصوفيّ النظريّ، تفسير اولئك المتصوّفة الذين بنوا تصوّفهم على مباحث نظريّة فلسفيّة، ورثوها من يونان القديمة، و من الصعب جدّا أن يجد هؤلاء في القرآن ما يتّفق و تعاليمهم، و هي بعيدة عن روح القرآن و تعاليم الإسلام، اللّهمّ إلّا إذا حملوا نظريّاتهم على القرآن و أقحموا عليه إقحاما.
قال الاستاذ الذهبيّ: و نستطيع أن نعتبر الاستاذ الأكبر محيي الدين بن عربيّ، شيخ هذه الطريقة في التفسير؛ إذ إنّه أظهر من خَبَّ فيها و وضع، و أكثر أصحابه معالجة للقرآن على طريقة التصوّف النظريّ[١].
و أمّا التفسير الفيضيّ، فهو تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها، بمقتضى إشارات رمزيّة، تظهر لأرباب السلوك و الرياضة النفسيّة، من غير ما دعم بحجّة أو برهان.
قال الذهبيّ: و الفرق بينه و بين التفسير الصوفيّ النظريّ من وجهين.
أوّلًا: أنّ النظريّ ينبني على مقدّمات علميّة تنقدح في ذهن الصوفيّ أوّلًا ثمّ ينزل القرآن عليها بعد ذلك. أمّا التفسير الفيضيّ الإشاريّ فيرتكز على رياضة روحيّة يأخذ بها
[١] -. التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٣٤٠.