التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - ٢ الوضع في التفسير
أسباب سياسيّة و اخرى مذهبيّة و كلاميّة، و ربّما عاطفيّة، كانت عن قصور النظر لا عن سوء نيّة. و العمدة أنّ القرآن كان المحور الأساسيّ الذي يدور عليه رحى الدين و السياسة و السلوك آنذاك، فلا بدّ لكلّ منتحلي مسلك من المسالك أن يتشبّث بعُرى القرآن، و يجعل من آياته الكريمة وسيلة ناجعة، لبلوغ أهدافه إن خيرا و إن شرّا، الأمر الذي جعل من سوق الكذب و التزوير في التفسير و الحديث رائجة ذلك العهد.
و قد بُدئ ذلك على يد معاوية، حيث كان يجعل الجعائل على وضع الحديث أو قلبه تمشية لسياسته الغاشمة ذلك الحين[١]، و راج ذلك طول عهد الأمويّين و بعدهم العبّاسيّين؛ حيث أخذ بالتوسّع و الاطّراد.
قال الاستاذ الذهبيّ: و كان مبدأ ظهور الوضع في سنة إحدى و أربعين (بعد وفاة الإمام أمير المؤمنين) حين اختلف المسلمون سياسيّا، و تفرّقوا شيعا، و وجد من أهل البدع و الأهواء من روّجوا لبدعهم و تعصّبوا لأهوائهم. و دخل في الإسلام من تبطّن الكفر و التحف الإسلام بقصد الكيد له و تضليل أهله. فوضعوا ما وضعوا من روايات باطلة ليصلوا بها إلى أغراضهم السيّئة و رغباتهم الخبيثة[٢].
قال الاستاذ أبو ريّة: و قد أجمع الباحثون و العلماء المحقّقون، على أنّ نشأة الاختراع في الرواية و وضع الحديث على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم إنّما كان في أواخر عهد عثمان و بعد الفتنة التي أودت بحياته، ثمّ اشتدّ الاختراع و استفاض بعد مبايعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فإنّه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة تامّة، حتّى ذرّ قَرنُ الشيطان الأمويّ ليغتصب الخلافة من صاحبها، و يجعلها حكما أمويّا. و قد كان وا أسفاه![٣]
و في ذلك يقول الإمام الشيخ محمّد عبده: و توالت الأحداث بعد الفتنة الكبرى، و نقض بعض المبايعين للخليفة الرابع (الإمام أمير المؤمنين عليه السلام) ما عقدوا، و كانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويّين! غير أنّ بناء الجماعة قد
[١] -. راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٤، ص ٦٣. و سيأتي ذلك عند الكلام عن الوضع للسياسة.
[٢] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ١٥٨.
[٣] -. أضواء على السنّة المحمّديّة لأبي ريّة، ص ١١٨.