التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٣ - اعتماده على التأويل و التمثيل
حيث يقول:
قلت: الممثَّل به في الآية و في قولهم: «لو قيل للشحم أين تذهب ...» و في نظائره، مفروض، و المفروضات تتخيّل في الذهن كما المحقَّقات: مُثّلت حالُ التكليف في صعوبته، و ثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات و الأرض و الجبال لأبين أن يحملنها و أشفقن منها[١].
قال الذهبيّ: و هذه الطريقة التي يعتمد عليها الزمخشريّ في تفسيره أعني طريقة الفروض المجازيّة، و حمل الكلام الذي يبدو غريبا في ظاهره، على أنّه من قبيل التعبيرات التمثيليّة أو التخييليّة قد أثارت حفيظة خصمه السنّيّ ابن المنير الإسكندريّ عليه، فاتّهمه بأشنع التّهم في كثير من المواضع التي تحمل هذا الطابع، و نسبه إلى قلّة الأدب و عدم الذوق[٢].
فمثلًا عند ما يعرض الزمخشريّ لقوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»[٣] نراه يقول:
هذا تمثيل و تخييل، كما مرّ في آية عرض الأمانة، و قد دلّ عليه قوله تعالى: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ ...» و الغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه و قلّة تخشّعه عند تلاوة القرآن، و تدبّر قوارعه و زواجره[٤].
و لكن هذا قد أغضب ابن المنير، فقال معقّبا عليه: و هذا ممّا تقدّم إنكاري عليه فيه، أفلا كان يتأدّب بأدب الآية، حيث سمّى اللّه هذا مثلًا، و لم يقل: و تلك الخيالات نضربها للناس. ألهمنا اللّه حسن الأدب معه، و اللّه الموفّق.
غير أنّ الزمخشريّ ولع بهذهالطريقة، فمشى عليها من أوّل تفسيره إلى آخره، و لم يقبل المعاني الظاهرة التي أخذ بها أهل السنّة و حسبوها أقرب إلى الصواب، كما لا ينفكّ عن التنديد بأهل السنّة الذين يقبلون هذه المعاني الظاهرة و يقولون بها، و كثيرا ما ينسبهم من
[١] -. الكشّاف، ج ٣، ص ٥٦٤- ٥٦٥.
[٢] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٤٤٩.
[٣] -. الحشر ٢١: ٥٩.
[٤] -. الكشّاف، ج ٤، ص ٥٠٩.