التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - الكشاف
مذهب الاعتزال.
هذا ابن المنير الإسكندريّ تراه يهاجم الزمخشريّ في لحن عنيف، قائلًا: ما أقصر لسانه عند هذه الآية، فكم له يُدندن و يطبّل في جحد الرؤية، و يشقّق القباء و يُكثر و يتعمّق، فلمّا فغرت هذه الآية فاها، صنع في مصادمتها بالاستدلال ... و ما يعلم أن المتمتّع برؤية جمال وجه اللّه تعالى لا يصرف عنه طرفه، و لا يؤثر عليه غيره، كما لا يصرف العاشق إذا ظفر برؤية محبوبه النظر عنه، فكيف بالمحبّ للّه عز و جل إذا أحظاه النظر إلى وجهه الكريم. نسأل اللّه أن يعيذنا من مزالق البدعة و مزلّات الشبهة[١].
و يقول الشيخ محمّد عليان- في الهامش أيضا-: عدم كونه تعالى منظورا إليه، مبنيّ على مذهب المعتزلة، و هو عدم جواز رؤيته تعالى. و مذهب أهل السنّة جوازها.
و قال الشيخ أحمد مصطفى المراغيّ «إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ»: أي تنظر إلى ربّها عيانا بلا حجاب. قال جمهور أهل العلم: المراد بذلك ما تواترت به الأحاديث الصحيحة، من أنّ العباد ينظرون إلى ربّهم يوم القيامة، كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر. قال ابن كثير: و هذا بحمد اللّه مجمع عليه من الصحابة و التابعين و سلف هذه الامّة، كما هو متّفق عليه بين أئمّة الإسلام و هداة الأنام. و روى البخاريّ: «أنّكم سترون ربّكم عيانا». و روى الشيخان: «أنّ ناسا قالوا: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارّون في رؤية الشمس و القمر ليس دونهما سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنّكم ترون ربّكم كذلك»[٢].
و قد أكثر أهل الحديث من روايات بهذا الشأن، أخذ بظاهرها السلف، و من تبعهم من أهل الظاهر[٣].
و استدلّ شيخ أهل السنّة أبو الحسن الأشعريّ بهذه الآية على جواز رؤية اللّه في الآخرة، و استشهد بموضع «إلى» من هذه الآية، قال: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» أي رائية؛ إذ ليس يخلو النظر من وجوه ثلاثة: إمّا نظر الاعتبار، كما في قوله تعالى:
[١] -. المصدر نفسه الهامش، ج ٤، ص ٦٦٢.
[٢] -. تفسير المراغيّ، ج ١٠، ص ١٥٢- ١٥٣.
[٣] -. راجع: تفسير الطبريّ، ج ٢٩، ص ١٢٠؛ تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٤١٤؛ تفسير القشيريّ، ج ٣، ص ٩١.