التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٦ - تفسير البيضاوي(أنوار التنزيل و أسرار التأويل)
(٦٨٥ ه.). له مصنّفات جيّدة أهمّها هذا التفسير الذي اعتمد فيه على تفسير الكشاف للزمخشريّ.
و هو تفسير جيّد لطيف، جمع فيه بين حسن العبارة و قوّة البيان، و من ثمّ اعتمده كثير من المفسّرين، كالمولى الفيض الكاشانيّ في تفسيره الصافي، و له نظرات و آراء دقيقة في حلّ معضلات الآيات، هو عند تفسير قوله تعالى: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» من سورة الحمد، ينوّع الهداية إلى مراحل أربعة، مترتّبة بعضها إثر بعض، فإنّما يسأل العباد النيل إلى مراتب أعلى من هداية اللّه للعباد. و هذا تفسير طريف يوجّه سؤال الهداية في أمثال هذه الآية، ربّما لم يسبقه إليه أحد من المفسّرين.
يقال: إنّه أشعريّ المسلك، و من ثمّ إنّه أخذ من تفسير الكشّاف كثيرا، لكنّه ترك ما فيه من اعتزال، و هذا غير صحيح؛ لأنّه يذهب في تفسيره مذهب أهل العدل و التنزيه، و من ثمّ نراه يؤوّل كثيرا من ظواهر آيات تنافي دليل العقل.
مثلًا عند تفسير قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ»[١] وجدناه يقول: إلّا قياما كقيام المصروع، و هو وارد على ما يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. ثمّ يفسّر «المسّ» بالجنون، و يقول: و هذا أيضا من زعماتهم أنّ الجنّيّ يمسّ الرجل فيختلط عقله[٢].
و هذا الذي مشى عليه موافق مع مذهب الاعتزال الذي مشى عليه الزمخشريّ من أنّ الجنّ لا تسلّط لها على الإنسان، فيما عدا الوسوسة و الإغواء؛ حيث قوله تعالى حكاية عن إبليس في مشهد القيامة: «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»[٣] و قوله تعالى: «وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ»[٤].
*** و هذا التفسير كما ذكرنا مختصر من تفسير الكشّاف للزمخشريّ و قد استمدّ أيضا من
[١] -. البقرة ٢٧٥: ٢.
[٢] -. تفسير البيضاويّ، ج ١، ص ٢٦٧.
[٣] -. إبراهيم ٢٢: ١٤.
[٤] -. سبأ ٢١: ٣٤.