التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - إمام المشككين
مراعيا فيها مصلحة العباد. فقد كان في مصلحتهم بعث الرسل و الأنبياء و إنزال الشرائع، و كان في طبيعتهم اقتضاء ذلك. فقد أجاب طلبهم إتماما للحجّة عليهم، فلا تكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل.
و قد جاء في القرآن حوالي ثمانين موضعا، جاء التصريح فيها بأنّه تعالى حكيم عليم، و حكيم خبير، و عزيز حكيم؛ ممّا ينبؤك عن علم و حكمة لا يفعل شيئا إلّا عن إحاطة و قدرة و حكمة شاملة.
و أمّا مسألة خلق إبليس و إمهاله و تسليطه على إغواء الناس، فهذا أمر يعود إلى مصلحة النظام القائم في الخلق، لا شيء إلّا و هو واقع بين قطبين: سلب و إيجاب، جذب و دفع؛ و بذلك استوى الوجود. فلولا دوافع الشرور، لم يكن في الاندفاع نحو المطلوب الخير كثير فضل، بل لم يكن هنا اندفاع نحو الخير؛ حيث لا دافع إلى الشرّ.
فالإنسان واقع بين دوافع الخير و دوافع الشرّ على سواء، و هو مختار في الانجذاب إلى أيّهما شاء، و يملك قدرته في الاختيار و عقله و إرادته التامّة في اختيار الخير أو الشرّ. فإذا اختار الخير فعن إرادته و تحكيم عقله فكانت فضيلة، و إذا اختار الشرّ فعن إرادته و الاستسلام لهوى نفسه فكانت رذيلة. و لا فضيلة و لا رذيلة إلّا إذا كانت هنا دوافع للخير و للشرّ معا، و كان الإنسان يملك إرادته في الاختيار.
أمّا الشيطان فلا سلطة له على الإنسان سوى دعوته و بعثه إلى فعل الشرور «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»[١]، نعم كان كيد الشيطان ضعيفا[٢]. و أنّ اللّه لهو القويّ العزيز[٣] «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»[٤]، «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»[٥].
[١] -. إبراهيم ٢٢: ١٤.
[٢] -. قال تعالى:« إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً»، النساء ٧٦: ٤.
[٣] -. قال تعالى:« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ»، هود ٦٦: ١١.
[٤] -. المجادلة ٢١: ٥٨.
[٥] -. غافر ٥١: ٤٠.