التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧١ - إمام المشككين
مجرى خلق زيادة الشهوة، فإنّ هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلّا أنّ الامتناع منها يصير أشقّ، و لأجل تلك الزيادة من ا لمشقّة تحصل الزيادة في الثواب، فكذا هنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشدّ و أشقّ، و لكنّه لا ينتهي إلى حدّ الإلجاء و الإكراه.
و أجاب الرازيّ: أنّ الشيطان لا بدّ أن يزيّن القبائح، و معلوم أنّ حال الإنسان مع هذا التزيين لايكون مساويا مع عدمه. فحصول هذا التزيين يوجب الإقدام على القبائح، و هو إلقاء في المفسدة. و مسألة الزيادة في الشهوة حجّة اخرى لنا في أنّ اللّه لا يراعي مصلحة العباد بسبب خلق تلك الزيادة في شهوة الإنسان، و حصول الزيادة في الثواب لا حاجة إليه؛ حيث دفع العقاب المؤبّد من أعظم الحاجات، فلو كان إله العالم مراعيا لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأكمل الأعظم؛ لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها و لا ضرورة[١].
انظر كيف فضح أصحابه بهذا النمط من البحث، و الخوض في مسألة تمسّ جانب حكمته تعالى، فينفي كونه تعالى حكيما لا يفعل إلّا عن مصلحة، و المصلحة التي يُراعيها الخالق تعالى إنّما تعود إلى العباد أنفسهم؛ حيث في ذاته تعالى الغناء المطلق. كما أنّه يتنافى و قاعدة اللطف الناشئة عن مقام حكمته تعالى، بفعل ما يقرّب العباد إلى الطاعة، و يبعّدهم عن المعصية. و هو أساس التشريع و بعث الأنبياء و إنزال الكتب، الأمر الذي يعترف به الإمام الرازيّ.
نعم، لا شكّ أنّه تعالى حكيم لا يفعل إلّا عن مصلحة تعود إلى العباد أنفسهم؛ حيث إنّه تعالى غنيّ بالذات.
قال تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ- إلى قوله- رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً»[٢].
فقد كان اللّه تعالى عزيزا لا يُغالب على أمره، لكنّه لا يفعل إلّا ما تقتضيه حكمته،
[١] -. التفسير الكبير، ج ١٤، ص ٣٩- ٤٠.
[٢] -. النساء ١٦٣: ٤- ١٦٥.