التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٩ - روح الجنان و روح الجنان لأبي الفتوح الرازي
المباحث الجليلة. قال العلّامة القاضي نور اللّه التستريّ المرعشيّ: إنّ هذا التفسير من خير التفاسير، و قد سمحت به قريحة شيخنا الرازيّ الوقّادة، و ممّا لا نظير له في كتب التفسير، في عذوبة ألفاظه و سلاسة عباراته، و ظرافة اسلوبه و دقّة اختياره، و قد بنى عليه الفخر الرازيّ في تفسيره الكبير، فأخذ منه اللباب، و زاد عليه بعض تشكيكاته، ممّا زاد في الحجم، و لكنّ الأصل اللباب، هو ما ذكره مفسّرنا الرازيّ أبو الفتوح الكبير[١].
و قد تتبّعتُ مواضع من التفسيرين، فوجدت الأمر كما ذكره القاضي، كان الأصل ما ذكره أبو الفتوح الرازيّ، و جاء تحقيق الفخر فرعا عليه و مقتبسا منه، و لو مع زيادات.
مثلًا عند قوله تعالى: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ»[٢] ذهب أبو الفتوح إلى أنّ إبليس لم يزل كان كافرا، و أنّ المؤمن سوف لا يكفر؛ لأنّ الإيمان يوجب استحقاق الثواب الدائم، و كذا الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، و الجمع بين الاستحقاقين محال[٣].
و هكذا جاء الاستدلال في التفسير الكبير، قال: الوجه الثاني في تقرير أنّه كان كافرا أبدا، قول أصحاب الموافاة؛ و ذلك لأنّ الإيمان يوجب استحقاق الثواب الدائم، و الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، و الجمع بين الثواب الدائم و العقاب الدائم محال، فإذا صدر الإيمان من المكلّف في وقت ثمّ صدر عنه- و العياذ باللّه- بعد ذلك كفر، فإمّا أن يبقى الاستحقاقان معا و هو محال- على ما بينّاه- أو يكون الطارئ مزيلًا للسابق، و هو أيضا محال؛ لأنّ القول بالإحباط باطل ...[٤].
و يبحث الرازيّ عن قوله: «وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ» هل كان هناك كفّار غير إبليس حتّى يكون واحدا منهم؟ فيجيب عن ذلك بجوابات، كلّها واردة في كلام أبي الفتوح الرازيّ[٥].
[١] -. راجع: مجالس المؤمنين للقاضي التستريّ، ج ١، ص ٤٩٠.
[٢] -. البقرة ٣٤: ٢.
[٣] -. راجع: تفسير أبي الفتوح، ج ١، ص ١٣٨.
[٤] -. راجع: التفسير الكبير، ج ٢، ص ٢٣٧.
[٥] -. راجع: المصدر نفسه، ص ٢٣٧- ٢٣٨؛ تفسير أبي الفتوح، ج ١، ص ١٣٩.