التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - ٩ زبدة البيان في أحكام القرآن للمحقق الأردبيلي
و حتّى في المسائل المستجدّة .. الأمر الذي يدلّك على بعد نظره و عمق فِكَره في مسائل الاصول و الفروع ..
و كتابه في التفسير الفقهيّ لآيات الأحكام .. جاء صفوة من ذلك البحر الخضمّ و زبدة من ذلك العَلَم الأشمّ .. فقد أودعه تدقيقات و تحقيقات لم يحظ بها سائر الكتب ممّا نسج على منواله ..
يكفيك مثلًا: أنّ هذا الكتاب و إن كان نسج على منوال كنز العرفان و احتذى أثره في المنهج و الأخذ بجوانب الكلام .. غير أنّه غذّاه بوفرة التحقيق و التعميق ممّا زاد عليه و بلغ به مرتبة الكمال ..
خذ لذلك مثلًا مسألة التيمّم- حسبما جاءت في القرآن- جاءت في آيتين:
الأُولى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً»[١].
و الثانية قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ..»[٢].
ففي هاتين الآيتين جاء شرط التيمّم أحد امور ثلاثة: المرض، السفر، فقدان الماء ..
غير أنّ هذا الشرط بأنحائه الثلاثة وقع مورد إشكال و إبهام لدى المفسّرين، و عدّه الآلوسيّ من المعضلات. قال: «نعم، الآية من معضلات القرآن و لعلّها تحتاج بعدُ إلى نظر دقيق ..»[٣].
[١] -. النساء ٤٣: ٤.
[٢] -. المائدة ٦: ٥.
[٣] -. روح المعاني، ج ٥، ص ٣٩.