التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - ٥ أحكام القرآن لابن العربي المالكي
و عند الآية ٣ من سورة النساء: «.. ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ..» .. يقول: اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقوال: الأوّل: أن لا يكثر عيالكم .. قاله الشافعيّ .. الثاني: أن لا تضلّوا .. قاله مجاهد .. الثالث: أن لا تميلوا .. قاله ابن عبّاس و الناس ..
قلنا: أعجب أصحاب الشافعيّ بكلامه هذا، و قالوا: هو حجّة، لمنزلة الشافعيّ في اللغة، و شهرته في العربيّة، و الاعتراف له بالفصاحة، حتّى لقد قال الجوينيّ بشأنه: هو أفصح من نطق بالضاد، مع غوصه على المعاني، و معرفته بالأصول؛ و اعتقدوا أنّ معنى الآية:
فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم، فذلك أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال!
قال ابن العربيّ: كلّ ما قال الشافعيّ أو قيل عنه أو وصف به، فهو كلّه جزء من مالك و نغبة من بحره[١]؛ و مالك أوعى سمعا، و أثقب فهما، و أفصح لسانا، و أبرع بيانا، و أبدع وصفا .. و يدلّك على ذلك مقابلة قول بقول في كلّ مسألة و فصل ..
ثمّ تكلّم بعد ذلك عن معنى لفظ «عال» في اللغة، ثمّ قال: و الفعل في كثرة العيال رباعيّ (أعال) لا مدخل له في الآية. فقد ذهبت الفصاحة، و لم تنفع الضاد المنطوق بها على الاختصاص[٢].
*** و عند الآية ٢٥ من سورة النساء: «.. فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ..» .. يقول: قال أبو بكر الرازيّ (الجصّاص) إمام الحنفيّة، ليس نكاح الأمة ضرورة، لأنّ الضرورة ما يخاف منه تلف نفس أو تلف عضو، و ليس في مسألتنا شيء من ذلك!
قلنا: هذا كلام جاهل بمنهاج الشرع، أو متهكّم لا يبالي بموارد القول[٣] .. و نحن لم نقل:
إنّه حكم نيط بالضرورة، إنّما قلنا: إنّه حكم علّق بالرخصة المقرونة بالحاجة، و لكلّ واحد منهما حكم يختصّ به، و حالة يعتبر فيها .. و من لم يفرّق بين الضرورة و الحاجة التي تكون معها الرخصة، فلا يُعنى بالكلام معه، فإنّه معاند أو جاهل. و تقرير ذلك إتعاب
[١] -. النغبة: الجرعة. و هي بفتح النون و ضمّها ..
[٢] -. المصدر نفسه، ج ١، ص ٣١٤- ٣١٥.
[٣] -. المتهكّم: المستهزء ..