التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - ٥ أحكام القرآن لابن العربي المالكي
و تحقيقه أنّ قوله: «وَ أَيْدِيَكُمْ» يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلمّا قال: إلى المرافق أسقط ما بين المنكب و المرافق، و بقيت المرافق مغسولة إلى الظفر. و هذا كلام صحيح يجري على الاصول، لغة و معنى.
و أمّا قولهم: إنّ «إلى» بمعنى «مع» فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، و إنّما يكون كلّ حرف بمعناه، و تتصرّف معاني الأفعال، و يكون التأويل فيها لا في الحروف. و معنى قوله: «إِلَى الْمَرافِقِ» على التأويل الأوّل: فاغسلوا أيديكم مضافة، إلى المرافق. و كذلك قوله: «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ» معناه: مضافة إلى أموالكم.
و قد روى الدارقطنيّ و غيره، عن جابر بن عبد اللّه: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمّا توضّأ أدار الماء على مرفقيه[١].
*** و ممّا يمتاز به هذا الكتاب، كراهته للإسرائيليّات، كما أنّه شديد النفرة من الخوض فيها، فهو عندما تعرّض لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً»[٢] نجده يقول:
«المسألة الثانية» في الحديث عن بني إسرائيل، كثر استرسال العلماء في الحديث عنهم في كلّ طريق. و قد ثبت عن النبيّ أنّه قال: «حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج» و معنى هذا الخبر: الحديث عنهم بما يُخبرون به عن أنفسهم و قصصهم، لا بما يُخبرون به عن غيرهم؛ لأنّ إخبارهم عن غيرهم مفتقرة إلى العدالة و الثبوت إلى منتهى الخبر، و ما يُخبرون به عن أنفسهم فيكون من باب إقرار المرء على نفسه أو قومه، فهو أعلم بذلك.
و إذا أخبروا عن شرع لم يلزم قبوله. ففي رواية مالك عن عمر، أنّه قال: رآني رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و أنا أمسك مصحفا قد تشرّمت حواشيه[٣]. فقال: ما هذا؟ قلت: جزءٌ من التوراة! فغضب و قال: واللّه لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي[٤].
[١] -. أحكام القرآن لابن العربيّ، ج ٢، ص ٥٦٢- ٥٦٥.
[٢] -. البقرة ٦٧: ٢.
[٣] -. المصحف: مجموعة صحائف. تشرّم: تشقّق و تمزّق.
[٤] -. أحكام القرآن لابن العربيّ، ج ١، ص ٢٣.