التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٢ - ١ أحكام القرآن للجصاص الحنفي
و في هذا الكلام إهانة بموضع الشافعيّ، و فرضه فيمن لا يُعتَدّ بشأنهم.
قلت: لا شكّ أنّ استدلال الشافعيّ هنا ضعيف؛ إذ كثير من المحرّمات حرّمن المحلّات، كما في مسألة اللواط يُحَرّم أُخته و أُمّه و بنته على اللاطي، و كالعقد على المعتدّة و الدخول بها، و الزنى بذات البعل.
و حديث «الحرام لا يُحرّم الحلال» وارد فيمن أُحلّ له فرْج ثمّ زنى بأُمّها أو بنتها[١] فهو ناظر إلى السابق، أي الحلال الفعليّ لا الحلال الشأنيّ. و من الغريب أنّ الشافعيّ هنا أخذ بالقياس مع الفارق.
*** و هكذا أخذ عليه الذهبيّ ميله إلى مذهب الاعتزال، و كذا تحامله على معاوية.
أمّا ميله إلى الاعتزال فلأنّه نفى إمكان رؤيته تعالى، و حمله أخبار الرؤية على العلم لو صحّت[٢].
قلت: و هذا من كمال فضله؛ حيث حكّم العقل على النقل، و هو دأب المحصّلين.
و أمّا تحامله على معاوية فمن ثبات عقيدته و صلابته في دينه. إنّ معاوية بغى على إمام زمانه و خرج عليه بالسيف، فعلى كلّ مسلم منابذته و التحامل عليه بالسيف، فضلًا عن اللسان و السكوت في ذلك مراوغة خبيثة.
يقول الذهبيّ: إنّنا نلاحظ على الجصّاص أنّه تبدو منه البغضاء لمعاوية، و يتأثّر بذلك في تفسيره، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ- إلى قوله- الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»[٣] يقول:
و هذه صفة الخلفاء الراشدين الذين مكّنهم اللّه في الأرض ... و فيه الدلالة الواضحة على صحّة إمامتهم؛ لإخبار اللّه تعالى بأنّهم إذا مُكّنوا في الأرض أقاموا بفروض اللّه عليهم، و قد
[١] -. راجع: العروة الوثقى، المسألة ٢٨ من أحكام المصاهرة.
[٢] -. أحكام القرآن للجصّاص، ج ٣، ص ٤- ٥.
[٣] -. الحجّ ٣٩: ٢٢- ٤١.