التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - ١ أحكام القرآن للجصاص الحنفي
أبي حنيفة، القائل بوجوب دفع المال لليتيم إذا بلغ خمسا و عشرين سنة، و إن لم يؤنس منه الرشد[١].
نعم، هنا تعسّف في الرأي؛ لأنّه أخذ بإطلاق الآية الأُولى و حملها على ما بعد هذا السنّ؛ و ذلك لاتّفاق الفقهاء على الاشتراط بإيناس الرشد قبل ذلك، فما لم يبلغ خمسا و عشرين، لا يُدفع إليه ما لم يؤنس منه الرشد، و أمّا إذا بلغها فيُدفع إليه مطلقا؛ و ذلك عملًا بالآيتين.
و هذا تعسّف في الاستدلال؛ لأنّه حملٌ للظاهر على بعض صوره من غير دليل، على أنّ الإطلاق في الآية الأُولى يجب تقييده بالآية الثانية، و حمل المطلق على المقيّد ليس إبطالًا للمطلق، كما زعمه الجصّاص.
*** و ممّا أخذ عليه الذهبيّ حملته على مخالفيه؛ بحيث لا يعفّ لسانه عنهم. قال: ثمّ إنّ الجصّاص مع تعصّبه لمذهبه و تعسّفه في التأويل، ليس عفّ اللسان مع الإمام الشافعيّ، و لا مع غيره من الأئمّة.
و كثيرا ما نراه يرمي الشافعيّ و غيره من مخالفي الحنفيّة بعبارات شديدة، لا تليق من مثل الجصّاص، فمثلًا عندما تعرّض لآية المحرّمات من النساء نجده يعرض الخلاف الذي بين الحنفيّة و الشافعيّة، في حكم من زنى بامرأة، هل يجوز التزويج ببنتها أو لا؟
و تمسّك الشافعيّ بأنّ الحرام لا يحرّم الحلال، ثمّ ذكر مناظرة له مع سائل سأله: كيف تُحرّم بنت المنكوحة و لا تحرّم بنت المزنيّ بها؟ فأجابه الشافعيّ بأنّ ذاك حلال و هذا حرام، و لم يزد في الفرق بينهما على ذلك. و هنا يقول الجصّاص: فقد بان أنّ ما قاله الشافعيّ و ما سلّمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه. ثمّ يقول: ما ظننت أنّ أحدا ممّن ينتدب لمناظرة خصم، يبلغ به الإفلاس من الحجاج، إلى أن يلجأ إلى مثل هذا، مع سخافة عقل السائل و غباوته[٢].
[١] -. أحكام القرآن للجصّاص، ج ٢، ص ٤٩.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ١١٨.