التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - ٤ أوار التعصب في عهد متأخر
يقول: «كلّ آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤوَّل أو منسوخ»[١].
كما لم يجيزوا لأحد من أتباع المذاهب الأربعة أن يجتهد حرّا إلّا في إطار المذهب و على اصول و مباني صاحب المذهب لا غير .. في حين أنّ الالتزام بمذهب قديم كان بدعة ابتدعتها السياسة منذ القرن الرابع، على غير أساس دينيّ و لا مبرّر له ..[٢]
نعم، كان لهؤلاء المتعصّبين أثر ظاهر في التفسير الفقهيّ، حيث ينظرون إلى الآيات من خلال مذهبهم و يفسّرونها حسب مبانيهم التي هم مهّدوها من قبل .. فيعدمون البحث الحرّ عن فهم القرآن .. فكانت مغبّة ذلك أن عُدمنا إنتاج التفسير الفقهيّ بعيدا عن التعسّف في التأويل .. الأمر الذي يبدو بوضوح عند ما نتعرّض للكتب المدوّنة في آيات الأحكام، و كانت على يد أصحاب المذاهب التقليديّة .. و من ثمّ كانت متنوّعة حسب اختلاف المذاهب ..
٤. أُوار التعصّب في عهد متأخّر
نعم، كان أئمّة المذاهب و كبار الفقهاء قد أخضعهم الحقّ حيثما توجّهوا .. و عرفت منهم التحاشي عن الإفتاء مهما أُفسح لهم المجال. إلّا في مواقع ضرورة .. و قد رافقهم الورع و التقوى و الحذر من الفتوى مهما أمكن .. و لا سيّما الإمام أحمد بن حنبل، كان يتورّع عن الإفتاء و يحذّر عن التقليد و يحبّذ الرجوع إلى نصوص الشريعة، و هي ناصعة، لائحة، بيضاء .. من غير حاجة إلى معين غير قيادة العلم النزيه[٣] ..
[١] -. التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٤٣٤.
[٢] -. راجع: الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، ج ٣، ص ١٤١ فما بعد.
[٣] -. كان يقول: كثرة التقليد عمىً في البصيرة. و كان ينهى عن الكتابة عنه و يقول: لا تكتبوا عنّي و لا تقلّدوني و لا تقلّدوا فلانا و فلانا، و خُذوا من حيث أَخذوا. و قال: من قلّة فقه الرجل أن يقلّد دينه الرجال .. و من ثمّ قال صاحب المنار: كان هذا الإمام متأخّرا عن الأئمّة الثلاثة. و كان قد رأى بوادر التزام التقليد، و علم أنّ مالكا ندم قبل موته .. و لذلك لم يدوّن أحمد مذهبا، و أنّ أصحابه هم جمعوا من أقواله و أجوبته ما صار مذهبا له ..( جلاء العينين للآلوسيّ، ص ١٠٥؛ أعلام الموقّعين لابن القيّم الجوزيّة، ج ٢، ص ١٨١- ١٨٢؛ مختصر المؤمّل لأبي شامة، ص ٣١؛ الوحدة الإسلاميّة، ص ١١٧؛ الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، ج ٣، ص ١٥٠- ١٥١).