التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - ٣ دور تحكم التقليد و التعصب المذهبي
و هكذا الإمام مالك كان يختلف إليه و تُعجبه روعته و جلال عظمته، قال: «اختلفتُ إليه زمانا، فما كنتُ أراه إلّا على ثلاث خصال، إمّا مصلّ و إمّا صائم و إمّا يقرأ القرآن.
و ما رأيته يحدّث إلّا على طهارة»[١].
و قال: «و ما رأت عين و لا سمعت أُذن و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق، علما و عبادةً و ورعا»[٢].
٣. دور تحكّم التقليد و التعصّب المذهبيّ
تلك كانت مشية السلف و التي جرى عليها أئمّة المذاهب و الفقهاء العظام من الميل إلى الوئام و الوفاق ما رافقهم الدليل و اليقين و حيث كان رائدهم نشدان الحقّ لا غير ..
الأمر الذي يدلّ على انتشار روح التقدير و الوداد بين اولئك الفقهاء، و هي سنّة أسلافهم من الصحابة و التابعين.
ثمّ خلف من بعد هؤلاء الأئمّة خَلَف سرت فيهم روح التقليد الذي يقوم على التعصّب المذهبيّ، و لا يعرف التسامح، و لا يطلب الحقّ لذاته، و لا ينشده تحت ضوء البحث الحرّ، و النقد البري.
قال الاستاذ الذهبيّ: و لقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلّدة إلى أن نظروا إلى أقوال أئمّتهم كما ينظرون إلى نصّ الشارع، فوقفوا جهدهم العلميّ على نصرة مذهب إمامهم و ترويجه، و بذلوا كلّ ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف و تفنيده، و كان من أثر ذلك أنّ نظر هذا البعض إلى آيات الأحكام. فأوّلها حسبما يشهد لمذهبه إن أمكنه التأويل، وإلّا فلا أقلّ من أن يؤوّلها تأويلًا يجعلها به لا تصلح أن تكون في جانب مخالفيه. و أحيانا يلجأ إلى القول بالنسخ أو التخصيص، و ذلك إن سُدّت عليه كلّ مسالك التأويل.
هذا عبد اللّه الكرخيّ المتوفّى سنة (٣٤٠ ه.) و هو أحد المتعصّبين لمذهب أبي حنيفة
[١] -. المصدر نفسه، ج ١، ص ٥٣؛ تهذيب التهذيب لابن حجر، ج ٢، ص ١٠٤- ١٠٥.
[٢] -. المجالس السَنيّة، ج ٥، و قد ذكر ابن تيميّة في كتاب التوسّل و الوسيلة، ص ٥٢، ط ٢، هذه العبارة في جملة طويلة كانت ضمنها ..