التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - ٢ و بعد أن ظهرت المذاهب الفقهية
و يروى عنه أنّ رجلًا سأله عن مسألة في الصرف، فأفتاه. فقال له سفيان- و كان بحضرته-: إنّ أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله و سلم قد اختلفوا في هذه! .. فغضب أبو حنيفة و قال للّذي استفتاه: اذهب فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو عَلَيَ[١]!
و يروى عنه الكثير من مخالفات لآراء الصحابة و كذلك ردّه للكثير من أحاديث مأثورة عن رسول اللّه كانت مستفيضة ..
كان يرى من سهم الراجل و الفارس من الغنائم سواء .. فقيل له: فما تقول في قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «للراجل سهم و للفارس سهمان»؟! قال: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن!
و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أشعر هو و أصحابه البُدْنَ .. فقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة.![٢]
و كان يرى أنّ البيع إذا وجب فلا خيار .. و لم يأخذ بقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» .. و كان يقول: لو أدركني رسول اللّه و أدركته لأخذ بكثير من أقوالي ..
قال: و هل الدين إلّا الرأي الحسن!
و بذلك قيل عنه: أنّه ردّ على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أربع مائة حديث .. قال أبو السائب:
سمعت وكيعا يقول: وجدنا أبا حنيفة خالف مائتي حديث. و قال أحمد بن حنبل: حدّثنا مؤمّل قال: سمعت حمّاد بن سَلَمة- و ذكر أبا حنيفه- فقال: إنّه استقبل الآثار و السنن فردّها برأيه[٣].
و من ثمّ قال ابن خلدون: إنّ الأئمّة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة (صناعة علم الحديث) و الإقلال: فأبو حنيفة يقال: بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها ..[٤].
[١] -. المصدر نفسه، ص ٤٠٦.
[٢] -. و له تعابير أجفى كقوله- استهزاءً بالحديث الوارد« إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجس»-: من أصحابي من يبول قلّتين .. و كقوله- عند ما نقل إليه قول عمر في مسأله-: دعه، هذا قول شيطان! المصدر نفسه، ص ٤٠٤- ٤٠٥.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ٤٠٧- ٤٠٨.
[٤] -. المصدر نفسه المقدّمة، ص ٤٤٤، اخريات الفصل السادس- في علوم الحديث.