التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - النمط الثاني التفسير الاجتهادي
النمط الثاني: التفسير الاجتهاديّ
و التفسير الاجتهاديّ يعتمد العقل و النظر أكثر ممّا يعتمد النقل و الأثر؛ ليكون المناط في النقد و التمحيص هو دلالة العقل الرشيد و الرأي السديد، دون مجرّد الاعتماد على المنقول من الآثار و الأخبار. نعم، لا ننكر أنّ مَزالّ الأقدام في هذا المجال كثيرة، و عواقبه وخيمة، و من ثمّ تجب الحيطة و الحذر و إمعان النظر، بعد التوكّل على اللّه و الاستعانة به، الأمر الذي يحصل عند حسن النيّة و الإخلاص في العمل المستمرّ، و اللّه من وراء القصد.
و العمل الاجتهاديّ في التفسير شيء حصل في وقت مبكّر، في عهد التابعين؛ حيث انفتح باب الاجتهاد و إعمال الرأي و النظر في التفسير، و شاع النقد و التمحيص في المنقول من الآثار و الأخبار. و لم يزل يتوسّع دائرة ذلك مع تقادم الزمان، و مع تنوّع العلوم و المعارف التي ما زالت تتوفّر في الأوساط الإسلاميّة حينذاك.
و قد أسبقنا أنّ من ميزات تفسير التابعين، فتح باب الاجتهاد و التوسّع فيه، و هكذا دأب مَنْ جاء بعدهم على التوسّع في النظر، و التنوّع في أبعاده و مراميه.
نعم، كانت آفة ذلك- لدى الخروج عن دائرة التوقيف، و ولوج باب النظر و إعمال الرأي- هو خشية أن ينخرط التفسير في سلك التفسير بالرأي الممقوت عقلًا، و الممنوع شرعا؛ حيث لا يؤمن من عاقبة ذلك أن تزلّ قدم أو تهوي إلى مكان سحيق، و بالفعل قد سقط اناس كثير.