التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - موقفه تجاه أهل الظاهر
موقفه تجاه أهل الظاهر
كان أبو جعفر إذا رأى من ظاهر النقل ما ينافي العقل، يعمد إلى التأويل بوجه مقبول ..
و يستنكر على اولئك الذين يقتنعون بظاهر التعبير من غير تعقّل أو تحصيل .. و هكذا إذا وجد ما يخالف- بظاهره- قواعد الأدب الرفيع.
نراه عند تفسير الاستواء من سورة البقرة[١] يواجه آراءً يستنكرها و يؤوّل الآية بما لا يستدعي التحيّز في ذاته تعالى .. الأمر الذي استنكر عليه مشايخ الحنابلة ببغداد، حينما حاولوا اختبار مذهبه عند عودته من بلاده (آمل- طبرستان)[٢] ..
ذكر ياقوت: لمّا قدم أبو جعفر إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها، تعصّب عليه الجصّاص و البيّاضيّ، و قصده الحنابلة، فسألوه عن أحمد بن حنبل- في الجامع يوم الجمعه- و عن حديث الجلوس على العرش! فقال أبو جعفر: أمّا أحمد بن حنبل فلا يعدّ خلافه .. و أمّا حديث الجلوس على العرش فمحال.
ثمّ أنشد:
|
سبحان من ليس له أنيس |
ولا له في عرشه جليس |
|
فلمّا سمع ذلك الحنابلة منه و أصحابُ الحديث وثبوا و رموه بمحابرهم .. فقام أبو جعفر بنفسه و دخل داره، فرموا داره بالحجارة حتّى صار على بابه كالتلّ العظيم. و ركب نازوك صاحب الشرطة يمنع عنه العامّة، و وقف على بابه يوما إلى الليل و أمر برفع الحجارة عنه ..[٣].
و قال عند تفسيره للآية- من سورة البقره-: اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: هو بمعنى أقبل عليها .. و قال بعضهم: عمد إليها[٤] .. و قال بعضهم: الاستواء هو العلوّ، و العلوّ هو
[١] -. الآية ٢٩.
[٢] -. هي بلاد مازندران كانت و لا تزال مهد التشيّع و الولاء لآل البيت عليهم السلام.
[٣] -. معجم الأدباء، ج ٥، ص ٢٥٢- ٢٥٣( دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١ ه./ ١٩٩١ م.).
[٤] -. و منه قول الزمخشريّ: ثمّ استوى إلى السماء: قصد إليها بإرادته و مشيئتة الكشّاف، ج ١، ص ١٢٣.