التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - منهجه في التفسير و نقد الآراء
بيّنّا الصواب في ذلك.
فتأويل الكلام: إذا معتدل يا محمّد على هؤلاء الذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة، بعد علمهم بها، و كتموا بيان أمرك للناس بأنّك رسولي إلى خلقي، و قد أخذت عليهم العهد و الميثاق أن لا يكتموا ذلك و أن يبيّنوه للناس، و يخبروهم أنّهم يجدون صفتك في كتبهم، أ أنذرتهم أم لم تنذرهم فإنّهم لا يؤمنون و لا يرجعون إلى الحقّ، و لا يصدّقون بك و بما جئتهم به.
كما حدّثنا محمّد بن حميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس:
«سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكر، و جحدوا ما أُخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك و بما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا و تحذيرا، و قد كفروا بما عندهم من علمك[١].
انظر إلى هذا التفصيل في مجال الأدب، الذي يُنبؤك عن سعة اضطلاعه بالأدب و بأقوال النحاة.
و نراه يقول في تأويل قوله- جلّ ثناؤه-: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ»[٢] و أصل الختم: الطبع، و الخاتم: الطابع، يقال: منه ختمت الكتاب، إذا طبعته.
فإن قال لنا قائل: و كيف يختم على القلوب، و إنّما الختم طبع على الأوعية و الظروف و الغلف؟
قيل: فإنّ قلوب العباد أوعية لما أُودعت من العلوم، و ظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها و على الأسماع التي بها تدرك المسموعات، و من قِبَلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية
[١] -. تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٨٦.
[٢] -. البقرة ٧: ٢.