التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - منهجه في التفسير و نقد الآراء
مثلًا نراه عند قوله تعالى: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»[١] يقول:
و تأويل «سواء»: معتدل، مأخوذ من التساوي، كقولك: متساوٍ هذان الأمران عندي، و هما عندي سواء، أي هما متعادلان عندي. و منه قول اللّه- جلّ ثناؤه-: «فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ»[٢] يعني: أعلمهم و آذنهم بالحرب حتّى يستوي علمك و علمهم، بما عليه كلّ فريق منهم للفريق الآخر. فكذلك قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ» معتدل عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم: الإنذار أم ترك الإنذار؛ لأنّهم كانوا لا يؤمنون، و قد ختمتُ على قلوبهم و سمعهم.
و من ذلك قول عبد اللّه بن قيس الرقيّات:
|
تعذّبني الشهباء نحو ابن جعفر |
سواء عليها ليلها و نهارها |
|
يعني بذلك: معتدل عندها في السير الليل و النهار؛ لأنّه لا فتور فيه.
و منه قول الآخر:
|
وليل يقول المرء من ظلماته |
سواء صحيحات العيون و عُورها |
|
لأنّ الصحيح لا يبصر فيه إلّا بصرا ضعيفا من ظلمته.
و أمّا قوله: «أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام، و هو خبر؛ لأنّه وقع موقع «أيّ»، كما تقول: لا نُبالي أ قمت أم قعدت، و أنت مخبر لا مستفهم، لوقوع ذلك موقع «أيّ»؛ و ذلك أنّ معناه- إذا قلت ذلك-: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» لمّا كان معنى الكلام:
سواء عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواء أ فعلت أم لم تفعل. و قد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع «سواء» و ليس باستفهام؛ لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أ زيدٌ عندك أم عمرو، مستثبت صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلمّا كان قوله: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» بمعنى التسوية، أشبه ذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية، و قد
[١] -. البقرة ٦: ٢.
[٢] -. الأنفال ٥٨: ٨.