التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - ما ذكره المفسرون في الرعد و البرق في كتبهم
و كأنّ السرّ في الجمع بينهما بيان أنّه تواطأ على تعظيم اللّه و تنزيهه الجمادات و العقلاء، و أنّ ما لا يعقل منقاد للّه و خاضع كانقياد العقلاء سواءً بسواء، و لا سيّما الملائكة الذين هم مفطورون على الطاعة و الانقياد.
و من الحقّ أن نذكر: أنّ بعض المفسّرين كانت لهم محاولات جادّة؛ بناء على ما كان من العلم بهذه الظواهر الكونيّة في عصرهم، في تفسير: الرعد و البرق، كابن عطيّة رحمه الله فقد قال: و قيل: إنّ «الرعد» ريح تخفق بين السحاب. و روى ذلك عن ابن عبّاس، و اعترض عليه أبو حيّان، و اعتبر ذلك من نزغات الطبيعيّين، مع أنّ قول ابن عطيّة أقرب إلى الصواب من تفسير «الرعد» بصوت «الملَك» الذي يسوق السحاب، و البرق بضوء مخراقه. و قد حاول الإمام الرازيّ التوفيق بين ما قاله المحقّقون من الحكماء، و ما ورد في هذه الأحاديث و الآثار، و قد أنكر عليه أبو حيّان هذا أيضا.
ثمّ ذكر الآلوسيّ آراء الفلاسفة في حدوث الرعد، و البرق، و تكوّن السحاب، و أنّه عبارة عن أبخرة متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء، ثمّ تكثّفت بسبب البرد، و لم يقدر الهواء على حملها، فاجتمعت و تقاطرت، و يقال لها: مطر.
هذا، و قد أصابوا في تكوّن السحاب و نزول المطر، فآخر ما وصل إليه العلم اليوم هو هذا. و أمّا في تكوّن الرعد، و البرق، فقد حاولوا، و قاربوا، و إن لم يصلوا إلى الحقيقة العلميّة المعروفة اليوم.
و بعد أن ذكر الآلوسيّ الردود و الاعتراضات على ما قاله الفلاسفة، و هي- و الحقّ يقال- لا تنهض أن تكون أدلّة في ردّ كلامهم، قال: و قال بعض المحقّقين: لا يبعد أن يكون في تكوّن ما ذكر أسباب عاديّة، كما في الكثير من أفعاله تعالى، و ذلك لا ينافي نسبته إلى المُحدث الحكيم- جلّ شأنه-، و من أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلّيّة، فإنّ بعضها كالمعلوم بالضرورة، قال: و بهذا أنا أقول[١]. و نحن أيضا بهذا نقول، و كون الظواهر الكونيّة
[١] -. روح المعاني، ج ١٣، ص ١٠٦ و ١٠٧.