التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٨ - ما روي في عظم طولهم
ذكرهم نبيّهم هود بهذه النعمة، و أرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة اللّه- تبارك و تعالى- الذي خلقهم و منحهم هذه القوّة، فقال: «وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بسطة فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[١]، و قال تعالى: «فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً»[٢]، و قوله هنا: «الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، و في زمانهم، لقوّتهم، و شدّتهم، و عظم تركيبهم.
و مهما يكن من تفسير ذات العماد: فالمراد القبيلة، و ليس المراد مدينة، فالحديث في السورة إنّما هو عمّن مضى من الأقوام الذين مكّن اللّه لهم في الأرض، و لمّا لم يشكروا نعم اللّه عليهم، و لم يؤمنوا به و برسله، بطش بهم، و أخذهم أخذ عزيز مقتدر. ففيه تخويف لكفّار مكّة، الذين هم دون هؤلاء في كلّ شيء، و تحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء.
ما رُوي في عظم طولهم
و ليس معنى قوّتهم، و عظم خلقهم، و شدّة بطشهم أنّهم خارجون عن المألوف في الفطرة، فمن ثمّ لا نكاد نصدّق ما روي في عظم أجسامهم، و خروج طولهم عن المألوف المعروف، حتّى في هذه الأزمنة، فقد روى ابن جرير في تفسيره، و ابن أبي حاتم و غيرهما عن قتادة، قال: كنّا نحدّث أنّ «إرم» قبيلة من عاد، كان يقال لهم: ذات العماد، كانوا أهل عمود، «الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ»، قال: ذُكر لنا أنّهم كانوا اثني عشر ذراعا[٣] طولًا في السماء، و هذا من جنس ما روي في العماليق. و أغلب الظنّ عندنا أنّ من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا، و أنّه من الإسرائيليّات المختلقة.
و أيضا لا نكاد نصدّق، ما روي عن المعصوم صلى الله عليه و آله و سلم في هذا، فقد روى ابن أبي حاتم،
[١] -. الأعراف ٦٩: ٧.
[٢] -. فصّلت ١٥: ٤١.
[٣] -. حوالي ستّة أمتار أو تزيد.