التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - الذبيح هو إسماعيل عليه السلام
عشرين وجها. قال ابن تيميّة: هذا القول متلقّى عن أهل الكتاب، مع أنّه باطل بنصّ كتابهم، فإنّ فيه: «إنّ اللّه أمر إبراهيم بذبح ابنه بكره»، و في لفظ «وحيده» و لا يشكّ أهل الكتاب مع المسلمين أنّ إسماعيل هو بكر أولاده، و الذي غرّ هؤلاء أنّه في التوراة التي بأيديهم: «اذبح ابنك إسحاق». قال: و هذه الزيادة من تحريفهم و كذبهم؛ لأنّها تناقض قوله: «اذبح بكرك و وحيدك»، و لكنّ اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، و أحبّوا أن يكون لهم، و أن يسوقوه إليهم، و يختاروه لأنفسهم دون المسلمين، و يأبى اللّه إلّا أن يجعل فضله لأهله.
و كيف يسوغ أن يقال: إنّ الذبيح إسحاق؟ و اللّه تعالى قد بشّر امّ إسحاق به، و بابنه يعقوب، قال تعالى: «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ»[١].
فمحال أن يبشّرها بأن يكون لها ولد، و للولد ولد، ثمّ يأمر بذبحه. و لا ريب أنّ يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، و يدلّ عليه أيضا أنّ اللّه ذكر قصّة إبراهيم و ابنه الذبيح في سورة الصافّات، ثمّ قال- بعدها-: «وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ»[٢]. و هذا ظاهر جدّا في أنّ المُبشَّر به غير الأوّل، بل هو كالنصّ فيه، و غير معقول في أفصح الكلام و أبلغه أن يُبشِّر بإسحاق بعد قصّة يكون فيها هو الذبيح، فتعيّن أن يكون الذبيح غيره.
و أيضا فلا ريب أنّ الذبيح كان بمكّة؛ و لذلك جُعلت القرابين يوم النحر بها، كما جُعل السعي بين الصفا و المروة، و رمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل و امّه، و إقامته لذكر اللّه، و معلوم أنّ إسماعيل و امّه هما اللذان كانا بمكّة دون إسحاق و امّه.
و لو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب؛ لكانت القرابين و النحر بالشام، لا بمكّة، و أيضا فإنّ اللّه سبحانه سمّى الذبيح حليما؛ لأنّه لا أحلم ممّن أسلم نفسه للذبح طاعة لربّه، و لمّا ذكر إسحاق سمّاه عليما: «قالُوا لا تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ»[٣]. و هذا إسحاق بلا ريب؛ لأنّه من امرأته و هي المبشّرة به، و أمّا إسماعيل فمن السرية[٤]، و أيضا فلأنّهما
[١] -. هود ٧١: ١١.
[٢] -. الصافّات ١١٢: ٣٧.
[٣] -. الذاريات ٢٨: ٥١.
[٤] -. أي الجارية.