التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٠ - نص التوراة
رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللّه تعالى خيّرني بين أن يغفر لنصف امّتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي و رجوت أن تكون أعمّ لُامّتي، و لولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجّلت دعوتي، إنّ اللّه تعالى لمّا فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق سل تُعطه قال: أما واللّه لأتعجّلنّها قبل نزغات الشيطان، اللّهمّ من مات لايشرك باللّه شيئا قد أحسن فاغفر له»[١].
و الحقّ أنّ المرويّات في أنّ الذبيح إسحاق هي من إسرائيليّات أهل الكتاب، و قد نقلها من أسلم منهم، ككعب الأحبار. و حملها عنهم بعض الصحابة و التابعين تحسينا للظنّ بهم، فذهبوا إليه. و جاء بعدهم العلماء فاغترّوا بها، و ذهبوا إلى أنّ الذبيح إسحاق[٢]. و ما من كتاب من كتب التفسير، و السير، و التواريخ إلّا و يذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا، إلّا أنّ منهم من يعقّب ببيان وجه الحقّ في هذا؛ و منهم من لا يعقّب اقتناعا بها، أو تسليما لها.
و حقيقة هذه المرويّات أنّها من وضع أهل الكتاب، لعداوتهم المتأصّلة من قديم الزمان للنبيّ الامّيّ العربيّ، فقد أرادوا أن لا يكون لإسماعيل الجدّ الأعلى للنبيّ فضلٌ أنّه الذبيح حتّى لا ينجرّ ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، و إلى المسلمين.
تحريفهم للتوراة
و لأجل أن يكون هذا الفضل لجدّهم إسحاق عليه السلام لا لأخيه إسماعيل حرّفوا التوراة في هذا، و لكنّ اللّه أبى إلّا أن يغفلوا عمّا يدلّ على هذه الجريمة النكراء؛ و الجاني غالبا يترك من الآثار ما يدلّ على جريمته، و الحقّ يبقى له شعاع، و لو خافِتٌ، يدلّ عليه، مهما حاول المبطلون إخفاءَ نوره، و طمس معالمه. فقد حذفوا من التوراة لفظ «إسماعيل»، و وضعوا بدله لفظ «إسحاق»، و لكنّهم غفلوا عن كلمة كشفت عن هذا التزوير، وذاك الدسّ المشين.
نصّ التوراة
ففي التوراة (الإصحاح الثاني و العشرون، الفقرة ٢): «فقال الربّ: خذ ابنك وحيدك
[١] -. روح المعاني، ج ٢٣، ص ١٢٣ و ١٢٤.
[٢] -. تفسير ابن كثير، ج ٤، ص ١٦- ١٧.