التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٦ - ١٩ الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ
سألته عنه.
و أنّ الشياطين خافوا لو تزوّجها سليمان، و جاءت بولد، أن يبقوا في عبوديّته، فصنعوا له هذا الصرح الممرّد[١]، فظنّته ماءً، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان، ما يذهبه؟ فجعلت له الشياطين النورة[٢].
قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر بعض المرويّات: و الأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم، كرواية كعب، و وهب، فيما نقلاه إلى هذه الامّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد[٣]، و الغرائب، و العجائب ممّا كان، و ما لم يكن، و ممّا حُرّف، و بُدّل، و نُسخ. و قد أغنانا اللّه عن ذلك بما هو أصحّ منه، و أنفع، و أوضح، و أبلغ، و للّه الحمد و المنّة.
*** و الحقّ أنّ سليمان عليه السلام أراد ببنائه الصرح أن يريها عظمة مُلكه، و سلطانه، و أنّ اللّه- سبحانه و تعالى- أعطاه من المُلك، و من أسباب العمران و الحضارة ما لم يعطها، فضلًا عن النبوّة التي هي فوق المُلك، و التي دونها أيّة نعمة، و حاشا لسليمان عليه السلام و هو الذي سأل اللّه أن يعطيه حكما يوافق حكمه- أي اللّه-، فاوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتّى ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه، و هما ساقاها، و هو أجلّ من ذلك و أسمى.
و لولا أنّها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، و الخُلق الرفيع، لما أذعنت إليه لمّا دعاها إلى اللّه الواحد الحقّ، و لما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب و الشمس، و أسلمت مع سليمان للّه رب العالمين.
[١] -. الصرح: هو القصر المشيّد المحكم البناء، المرتفع في السماء، و الممرّد: الناعم الأملس. القوارير: الزجاج الشديد الصفاء.
[٢] -. تفسير ابن كثير، ج ٣، ص ٣٦٦؛ تفسير البغويّ، ج ٣، ص ٥٠٧ و ٥٠٨.
[٣] -. جمع آبدة، و هي الامور المشكلة البعيدة المعاني، و أصل الآبدة: النافرة من الوحش التي يُستعصى أخذها، ثمّ شبّه بها الكلام المشكل العويص المعاني.