التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٣ - ٧ الإسرائيليات في قصة التيه
و سياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة، و معارف متنوّعة، و حسن نظر و تثبّت، يُفضيان بصاحبهما إلى الحقّ، و ينكّبان به عن المزلّات و المَغالط؛ لأنّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرّد النقل، و لم تحكم اصول العادة، و قواعد السياسة، و طبيعة العمران، و الأحوال في الاجتماع الإنسانيّ، و لو قيس الغائب منها بالشاهد، و الحاضر بالذاهب، فربّما لم يؤمن فيها من العثور، و مزلّة القدم، و الحَيد عن جادّة الصدق، و كثيرا ما وقع للمؤرّخين و المفسّرين و أئمّة النقل من المَغالط في الحكايات و الوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّا أو سمينا، و لم يعرضوها على أُصولها، و لا قاسوها بأشباهها، و لا سبروها بمعيار الحكمة، و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحقّ، و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط، و لا سيّما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنّة الكذب و مطيّة الهذر، و لا بدّ من ردّها إلى الاصول، و عرضها على القواعد. و هذا: كما نقل المسعوديّ و كثير من المؤرّخين في جيوش بني إسرائيل، و أنّ موسى أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من كان يطيق حمل السلاح خاصّة من ابن عشرين، فما فوقها، فكانوا ستّ مائة ألف أو يزيدون، و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام، و اتّساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش، لكلّ مملكة حصّة من الحامية تتّسع لها، و تقوم بوظائفها، و تضيق عمّا فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة، و الأحوال المألوفة.
و لقد كان مُلك الفرس و دولتهم أعظم من مُلك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك: ما كان من غلب بختنصر لهم، و التهامه بلادهم، و استيلائه على أمرهم، و تخريب بيت المقدس قاعدة ملّتهم و سلطانهم، و هو من بعض عمّال مملكة فارس. و كانت ممالكهم بالعراقَين، و خراسان، و ما وراء النهر، و الأبواب، أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير، و مع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قطّ مثل هذا العدد و لا قريبا منه. و أعظم ما كانت جموعهم بالقادسيّة مائة و عشرين ألفا، كلّهم متبوع، على ما نقله «سيف». قال: و كانوا في أتباعهم