التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - أقسام الإسرائيليات
*** و لعلّك تقول: بعض ما نقل عن أهل الكتاب كان مصدره النقل من الكتاب، إمّا يكتبونه منه أو ينقلونه عنه، كما في زاملتي عبد اللّه بن عمرو بن العاص، كان ينقل من كتب زعم العثور عليها في واقعة يرموك. و كما في نسخة عمر بن الخطّاب التي جاء بها إلى النبيّ، اكتتبها من كتب اليهود فيما حسب.
لكن لا يذهب عليك أن لا وثوق بنقلهم و لو عن كتاب، مادام الدسّ و التزوير شيمة يهوديّة جُبلوا عليها من قديم كانوا «يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ» أي من عند أنفسهم «ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» كذبا و زورا «لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا»[١].
و هذا هو الذي فهمه ابن عبّاس منذ أوّل يومه فحذّر الأخذ عنهم بتاتا، قائلًا: و قد حدّثكم اللّه أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب اللّه و غيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم[٢].
أمّا المراجعة إلى كتب السلف و تواريخهم من يونان أو فرس أو الهند أو اليهود أو غيرهم، فإنّ ذلك شيء آخر، يجب العمل فيه وفق سنن النقد و التمحيص، و على مناهج السبر و التحقيق، حسب المتعارف المعهود.
أمّا التوراة، ففيها من الغثّ و السمين الشيء الكثير، و هو الكتاب الوحيد الذي احتوى على تاريخ الأنبياء و اممهم فيما سلف، مصحوبا بالأساطير و الخرافات، شأن سائر كتب التاريخ القديمة. و التوراة كتاب تاريخ، قبل أن يكون كتابا سماويّا، و إنّما سمّيت بالتوراة، لاحتوائها على تعاليم اليهود، و التي جاء بها موسى من شرائع وقعت موضع الدسّ و التحريف، و من ثَمّ فالمراجعة إليها بحاجة إلى نقد و تحقيق، و ليس أخذا برأسه.
و في العهد القديم جاءت تفاصيل الحوادث ممّا أوجز بها القرآن و طواها في سرد قضايا قصار، أخذا بمواضع عِبرها دون بيان التفصيل، فتجوز المراجعة إلى تلكم
[١] -. البقرة ٧٩: ٢.
[٢] -. جامع البخاريّ، ج ٣، ص ٢٣٧.