التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - أقسام الإسرائيليات
إنّنا نُسيء الظنّ بأمثال هؤلاء ممّن لم يُخلصوا الولاء للإسلام و لم يمحضوا النصح للمسلمين، كما لا نثق بصحّة معلوماتهم غير الصادرة عن تحقيق رصين، سوى الاعتماد على الشائعات العامّيّة المبتذلة إن لم تكن مفتعلة. إنّنا نجد في طيّات كلامهم بعض الخبث و اللّؤم المتّخذ تجاه موضع الإسلام القويم، و ربّما كان حقدا على ظهور الإسلام و غلبة المسلمين. فحاولوا التشويه من سمعة الإسلام و التزعزع من عقائد المسلمين.
هذا هو الطابع العامّ الذي يتّسم به وجه الإسرائيليّات على وجه العموم.
قال الاستاذ أحمد أمين: و أمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع اليهوديّ، كان من اليمن، و كان من أكبر من تسرّبت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، و كان كلّ تعاليمه- على ما وصل إلينا- شفويّة، و ما نُقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهوديّة و أساطيرها.
قال: و نرى أنّ هذا القَصَص هو الذي أدخل على المسلمين كثيرا من أساطير الامم الأخرى كاليهوديّة و النصرانيّة، كما كان بابا دخل منه على الحديث كذب كثير، و أفسد التاريخ بما تسرّب منه من حكاية وقائع و حوادث مزيّفة، أتعبت الناقد و أضاعت معالم الحقّ[١].
و هكذا قال ابن خلدون فيما سبق من كلامه: فإنّما يسألون أهل الكتاب قبلهم، و هم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى. و أهل التوراة الذين بين العرب يومئذ باديةٌ مثلهم، و لا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، و معظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم، و هؤلاء مثل كعب الأحبار و وهب بن منبّه و عبداللّه بن سلام و أمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، و هي أخبار موقوفة عليهم. و تساهل المفسّرون في مثل ذلك و ملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، و لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك[٢].
[١] -. فجر الإسلام، ص ١٦٠- ١٦١.
[٢] -. مقدّمة ابن خلدون، ص ٤٣٩- ٤٤٠.