التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٥ - مبدأ نشر الإسرائيليات
الشيء رجاء أن أكون جئت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ببعض ما يُحبّ. فلمّا أتيت به قال: اجلس اقرأ عليّ. فقرأت ساعة، ثمّ نظرت إلى وجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فإذا هو يتلوّن. فتحيّرت من الفَرَق[١]، فما استطعت أن أجيز منه حرفا. فلمّا رأى الذي بي رفعه[٢] ثمّ جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه، و هو يقول: لا تتّبعوا هؤلاء فإنّهم قد هَوِكوا و تهوّكوا[٣]، حتّى محاه عن آخره حرفا حرفا.
قال عمر: فلو علمت أنّكما كتبتما شيئا جعلتكما نكالًا لهذه الامّة. قالا: واللّه ما نكتب منه شيئا أبدا. فخرجا بصلاصفتهما، فحفرا لها، فلم يأْلُوَا أن يُعمّقا، و دفناها، فكان آخر العهد منها[٤].
*** و لكن هل أثّر تشديد عمر في الحدّ عن مراجعة أهل الكتاب؟
إنّه لم يشدّد على مراجعتهم، و إنّما شدّد على الكتابة من كتبهم كما شدّد على كتابة الحديث. و من ثَمَّ نراه قد أجاز للداريّ أن يقصّ على الناس، كما شاع القصّ في مسجد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فضلًا عن سائر المساجد ذلك العهد.
و هكذا سار على منهجه في إجازة القصّ في المساجد، من جاء بعده من الخلفاء.
و أصبح ذلك مرسوما إسلاميّا فيما بعد، كما حثّ عليه معاوية في إجازته لكعب أن يقصّ على الناس حسبما عرفت.
*** و بعد، فإنّ عصر الصحابة و هي الفترة بين وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و ظهور التابعين في عرصة الفُتْيا و التفسير كان عصر نشوء الإسرائيليّات و تسرّبها في التفسير و الحديث، فضلًا عن التاريخ، ذلك أنّ غالبيّة الشؤون التاريخيّة كانت ممّا يرجع عهدها إلى تاريخ الامم الماضية و الأنبياء الماضين، و كان المرجع الوحيد لدى العرب حينذاك لمعرفة أحوالهم
[١] -. الفَرَق: الفزع.
[٢] -. أي أخذه منّي.
[٣] -. الهَوَك: الحمق.
[٤] -. راجع: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٤٦٧- ٤٦٨.