التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٣ - مبدأ نشر الإسرائيليات
يقصّ قصصه قائما في المسجد النبويّ، علانيةً على رؤوس الأشهاد في هذا العهد[١]، كما أصاخ بأُذنيه لمخاريق كعب. يقول ابن كثير بعد ما ساق الروايات في أنّ الذبيح هو إسحاق: و هذه الأقوال كلّها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنّه لمّا أسلم في الدولة العمريّة جعل يحدّث عمر عن كتبه قديما، فربّما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، و نقلوا ما عنده عنه، غثّها و سمينها، و ليس لهذه الامّة حاجة إلى حرف واحد ممّا عنده[٢].
فقد كان العقد الثاني بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عهد رواج القِصَصِ الاسطوريّة و الإسرائيليّات، حسبما قال الدكتور أبو شهبة: إنّ بدعة القصّ قد حدثت في آخر عهد الفاروق: عمر بن الخطّاب[٣].
*** و هل كان هناك نكير على هذا الفعيل؟
كان عمر بين حين و آخر يشدّد النكير على هذا الصنيع، و لكن من غير تداوم عليه، فكان هناك- رغم تشديد عمر- اناس يقومون بنسخ أو ترجمة كتب العهد القديم، و التحديث عنها بين المسلمين، أمّا المراجعة إلى أهل الكتاب و القصّ على الناس فقد تعارف و شاع ذلك العهد.
أخرج الحافظ أبو يعلي الموصليّ عن خالد بن عرفطة، قال: كنت جالسا عند عمر، إذ أُتي برجل مسكنه السوس[٤]. فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبديّ؟ قال: نعم. قال: و أنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناةٍ معه. فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا
[١] -. سير أعلام النبلاء، ج ٢، ص ٤٤٧.
[٢] -. راجع: تفسير ابن كثير، ج ٤، ص ١٧.
[٣] -. الإسرائيليّات و الموضوعات، ص ٨٩.
[٤] -. سوس: مدينة شوش التي بها قبر دانيال، من أرض خوزستان.