التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - غرائب آثار
و أخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الّذي كان معه في القصعة، ثمّ أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتلّ ليأكله، ثمّ استلقى على قفاه و أسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت و رأى منها ما فيها و هي قائمة على عرشها و قد باد أهلها، و رأى عظاما بالية فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها! فلم يشكّ أنّ اللّه يحييها و لكن قالها تعجّبا.
فبعث اللّه ملك الموت فقبض روحه، فأماته اللّه مائة عام، فلمّا أتت عليه مائة عام و كان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور و أحداث، فبعث اللّه إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل به، و عينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي اللّه الموتى، ثمّ ركّب خلقه و هو ينظر، ثمّ كسا عظامه اللحم و الشعر و الجلد، ثمّ نفخ فيه الروح، كلّ ذلك يرى و يعقل، فاستوى جالسا فقال له الملك: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما، و ذلك أنّه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، و بعث في آخر النهار و الشمس لم تغب. فقال: أو بعض يوم، و لم يتمّ لي يوم. فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك و شرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، و شرابه العصير الّذي كان اعتصر في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغيّر العصير و الخبز اليابس، فذلك قوله: لَمْ يَتَسَنَّهْ يعني لم يتغيّر، و كذلك التين و العنب غضّ لم يتغيّر عن حاله، فكأنّه أنكر في قلبه!
فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك؟! انظر إلى حمارك. فنظر فإذا حماره قد بليت عظامه و صارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت و أقبلت من كلّ ناحية حتّى ركّبه الملك، و عزير ينظر إليه، ثمّ ألبسها العروق و العصب، ثمّ كساها اللحم، ثمّ أنبت عليها الجلد و الشعر، ثمّ نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعا رأسه و أذنيه إلى السماء ناهقا، فذلك قوله: وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً يعني: انظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها، حتّى إذا صارت عظاما مصوّرا حمارا بلا لحم، ثمّ انظر كيف نكسوها لحما فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إحياء الموتى و غيره.
قال: فركب حماره حتّى أتى محلّته فأنكره الناس، و أنكر الناس، و أنكر منازله، فانطلق على و هم منه حتّى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة و عشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير و هي بنت عشرين سنة كانت عرفته و عقلته، فقال لها عزير: يا هذه أ هذا