التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - تفسيرها
قوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ ...
و هذا أيضا أسّ من أسس العقيدة الدينيّة: علمه تعالى الشامل لما حضر و ما غاب. و لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ[١].
و شمول علمه تعالى هذا، لازم عموم تدبيره لهذا الكون كلّه. و هذه الحقيقة تساهم في تعريف المسلم بإلهه، و هو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكلّ جوانب الحياة في هذا الكون الفسيح. إذن فإذ لم يفلت عن شمول علمه تعالى شيء، كذلك لم يشذّ عن عموم تدبيره تعالى، لا شيء من الأشياء، و لا أمر من الأمور، على الإطلاق.
قوله تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ نعم ليس لأحد علم بأسرار الوجود، كعلمه تعالى المحيط بكلّ أبعاد الوجود. وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[٢]. ذلك، متناسبا مع طبيعة الإنسان المحدودة. فلا يمكن إحاطته بعلم اللّه اللّامحدود.
إذن فما خفي على الإنسان من أسرار هذا الكون، لا يوازي ما علم به، و إن جدّ جدّه و كدّ حثيثا- عبر الزمان- في الكشف عن أسرار الطبيعة المودعة في طيّها.
إنّ اللّه- سبحانه- وهب الإنسان المعرفة، مذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه، و وعده أن يريه آياته في الآفاق و في الأنفس، و وعده الحقّ و صدقه وعده، فكشف له يوما بعد يوم و جيلا بعد جيل، و في خطّ يكاد يكون صاعدا أبدا، عن بعض القوى و الطاقات و القوانين الكونيّة الّتي تلزم له في خلافته في الأرض، و ليصل بها إلى أقصى الكمال المقدّر له في هذه الرحلة من حياته الأرضيّة.
و لكن هل بلغ- أو هل يتوقّع أن يبلغ- الغاية، و هي بلا نهاية؟!
إذن فلا يغترّ الإنسان و لا يفتتن بذلك الطرف من العلم، الّذي أحاط به بمشيئته تعالى، و ما هي إلّا غرفة من بحر خضمّ. فلا يختلجنّ نفسه- يوما و عن سفه- فيحسب نفسه جبّارا في الأرض تجاه جبّار السماء.
*** نعم، للعلماء الحقيقيّين النابهين، هنا تجاه عظمة هذا الكون و عظمة بارئه- موقع مشرّف
[١] سبأ ٣٤: ٣، و يونس ١٠: ٦١.
[٢] الإسراء ١٧: ٨٥.