التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - تأويلات بشأن الحادثة
سبي يوياكين الملك، صار كلام الربّ إلى حزقيال الكاهن بن يوزي في أرض الكلدانيّين عند نهر خابور، و كانت عليه هناك يد الربّ.
ثمّ يذكر الرؤى واحدة تلو أخرى حتّى يصل إلى هذه الرؤيا في الإصحاح السابع و الثلاثين، كما نقلناه.
فلعلّ هذا المثل- الّذي تمثّل لحزقيال في رؤياه- مع الموضع الّذي كانت فيه مرائي هذا الكاهن، و هو خابور، و هو قرب واسط، هو الّذي حدا بعض القصّاصين إلى دعوى أنّ هؤلاء القوم من أهل بلدة يقال لها: داوردان، إذ لعلّ داوردان كانت بجهات خابور الّذي رأى النبيّ حزقيال ما رأى.
تأويلات بشأن الحادثة
و إليك جانبا من تأويلات القوم بشأن هذا الحادث:
قال الشيخ محمّد عبده: معنى موت أولئك القوم هو أنّ العدو نكل بهم و أفنى قوّتهم و أزال استقلال أمّتهم، حتّى صارت لا تعدّ أمّة؛ بأن تفرّق شملها و ذهبت جامعتها، فكلّ من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين، ضائعين فيهم مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، و إنّما وجودهم تبع لوجود غيرهم.
قال: و معنى حياتهم من جديد هو عود الاستقلال إليهم. ذلك أنّ من رحمة اللّه تعالى في البلاء يصيب الناس، أنّه يكون تأديبا لهم و مطهّرا لنفوسهم ممّا عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة.
أشعر اللّه أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن و الخوف و الفشل و التخاذل، بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم و وثقوا رابطتهم، حتّى عادت لهم وحدتهم قويّة، فاعتزّوا و كثروا إلى أن خرجوا من ذلّ العبوديّة الّتي كانوا فيها، إلى عزّ الاستقلال.
فهذا معنى حياة الأمم و موتها؛ يموت قوم منهم باحتمال الظلم، و يذلّ الآخرون حتّى كأنّهم أموات، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحيّة، من حفظ سياج الوحدة و حماية البيضة، بتكافل أفراد الأمّة و منعتهم، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات، و الاستعداد لما هو آت، يتعلّمون من فعل عدوّهم بهم كيف يدفعونه عنهم. قال عليّ عليه السّلام: «إنّ بقيّة السيف هي الباقية». أي الّتي يحيا بها