مباني تحرير الوسيلة - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٠ - القول فيما يثبت به
إلّا أنّ أصل هذا الاستدلال ضعيف من وجهين: وذلك أنّ ظاهر الخبرين أنّ المقرّ إنّما جاء نفسه إلى أمير المؤمنين عليه السلام لا أنّه جيء به عنده، فمجيئه بنفسه وإقراره عنده عليه السلام بالسرقة لا يكون إلّاأن يكون بصدد تطهير نفسه من معصية السرقة لئلّا يتأخّر عذابه إلى الآخرة- كما وقع نظيره في المقرّين عندهم عليهم السلام بالزنا واللواط أيضاً- وهذا المجيء مسبوق قطعاً بالتوبة عن المعصية إلى اللَّه والانقطاع عنها شديداً، حتّى يجيء عند الإمام لتطهير نفسه. فالخبران أيضاً ممّا يدلّان على جواز إجراء الحدّ على التائب قبل الإقرار أيضاً إذا جاء إلى الإمام طالباً لإجرائه- كما مرّ منّا نظيره في أخبار الإقرار بالزنا واللواط، فتذكّر- ولا ربط لهما بمن يقرّ بالسرقة من غير أن يتوب عنها.
مضافاً إلى أنّه سيجيء- إن شاء اللَّه تعالى- أنّ حدّ السرقة لا يجوز إجراؤه إلّابعد أن يرفع المسروق منه أمر السرقة إلى الحاكم، وأنّه مغاير لحدّ الزنا واللواط وغيرهما من الحدود الإلهية، فمجرّد إقرار السارق لا يجوّز إجراء الحدّ عليه.
فغاية مدلول الحديثين: أنّه عليه السلام قد عفا عنه فيما أقرّ ولم يرفع إليه المسروق منه، ولا يدلّان على جواز عفوه فيما إذا رفع وأقرّ السارق، وقوله عليه السلام:
«وإنّما منعه أن يقطعه لأنّه لم يقم عليه بيّنة»
لا دليل فيه على أنّ تمام الملاك للعفو أن لا يقوم بيّنة، فيعمّ ما إذا أقرّ بلا رفع أو مع الرفع.
وجه عدم الدلالة: احتمال أن يراد بعدم قيام البيّنة عدم ثبوت السرقة بعد رفع المسروق منه؛ فإنّ الغالب أنّ البيّنة يقيمها المدّعي، واللَّه العالم.