المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠٣
في زمان قصير جدّاً؛ بعدما كان وصف هذه المسافة- قديماً- أنّها تطوى في يوم عادة؛ بحيث صحّ التعبير عن أحدهما بالآخر؛ فيقال: التقصير في مسيرة يوم، كما في بعض النصوص؛ ويقال: التقصير في ثمانية فراسخ، كما في بعض آخر.
وهذا بخلافه في هذه الأعصار، فإنّه لو كان حدّ التقصير ثمانية فراسخ، لا يصحّ التعبير عنه بكون التقصير في مسيرة يوم؛ وإن كان ربّما تطوى هذه المسافة حتّى في هذه الأعصار في يوم؛ ولكن بحسب المتعارف والوضع إنّما يلحظ ما هو المتعارف خارجاً؛ لا ما يتّفق أحياناً؛ فلا يكاد تجد التعبير- بغير مسامحة- عن مسافة كثمانية فراسخ بأنّها مسيرة يوم، اعتماداً على أنّه قد تطوى فعلًا هذه المسافة في هذه المدّة؛ فلا يقال بين بلدة كذا وبلدة كذا مسيرة يوم إذا كان الفاصل ثمانية فراسخ ونحوها.
والسرّ في ذلك: أنّ المدار في صحّة الاستعمال مدار ما يقع بحسب المتعارف خارجاً، ولا عبرة بغير المتعارف في تحديد المسافات والبُعد.
لا أقول: إنّ لطيّ ثمانية فراسخ مستوعباً ليوم موضوعيّة؛ حتّى يقال إنّه ربّما كانت تطوى هذه المسافة في أقلّ من يوم قديماً، فيكون وجود ذلك مؤكّداً لإطلاق تحديد السفر الموجب للقصر بثمانية فراسخ.
بل أقول: إنّه يحتمل كون الموضوع للتقصير هو مقدار من المسافة تُسلك في يوم واحد على حسب الوسائط النقلية المتعارفة للعامّة، حيث إنّه لو سلك شخص تلك المسافة فيما زاد عن يوم أو نقص وجب عليه التقصير كما لو سلكها في مدّة يوم. فليس الموضوع هو السفر يوماً لتختلف المسافة باختلاف الأشخاص؛ بل الموضوع هو أمرٌ ثابت لا يختلف باختلاف الناس في عصر واحد بل في أعصار؛ ما لم يحصل هناك تبدّل في الوسائط النقلية