المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٢
بنى مسجداً وجداراً فوق العقبة ليمنع الناس من الصعود على الجمرة لرميها؛ فلم تكن الجمرة بناية وجداراً، ولا عموداً منصوباً؛ ولا يستدعي وجود وجه وعلوّ للجمرة شيئاً من ذلك بعدما كان يتحقّق الأمران للجمرة إذا كانت ربوة- كما تقدّم- وتقدّم بعض تفصيله سابقاً.
ثمّ إنّ الفقهاء أفتوا باستحباب استقبال جمرة العقبة واستدبار القبلة؛ خلافاً للجمرتين الاوليين؛ وكأنّهم استندوا في الفتوى إلى هذه الرواية، مع عدم وروده صريحاً في نصّ؛ ولعلّ الوجه في استظهارهم ذلك من الرواية هذه هو استلزام رمي العقبة من قبل وجهها- في وضعها القديم- لذلك عادةً؛ حيث إنّ العقبة كانت ربوة وتلّاً وجهها إلى القبلة؛ فمن استقبل الجمرة استلزم ذلك استدبار القبلة، طبعاً؛ لا عقلًا؛ إذ يمكن رمي الجمرة من قبل وجهها منحرفاً متمايلًا عن مواجهتها؛ وقد ورد ذلك في بعض نصوص العامّة، وأنّه ينبغي رمي العقبة متمايلًا لئلّا يكون الرامي مستدبراً القبلة حال الرمي.
ويحكى عن الأزرقي كلام ربما يفهم منه: أنّ الجمرة هي بنية خاصّة؛ لا المحلّ والأرض؛ وأنّ الجمرة كمقام إبراهيم قابل للتحوّل. قال في المحكي عنه بعد أن وصف الحاكي، الأزرقي بأنّه إمام الناس وقدوتهم في أمكنة المناسك وما يتعلّق بها:
وكانت الجمرة- أي جمرة العقبة- زائلة عن محلّها، أزالها جهّال الناس برميهم الحصى، وغفل عنها حتّى ارتخت من موضعها شيئاً يسيراً منها ومن فوقها فردّها بعض رسل المتوكّل العبّاسي إلى موضعها التي لم تزل عليها؛ وبنى من ورائها جداراً أعلاها علمها؛ ومسجداً متّصلًا بذلك الجدار لئلا