معجم مقائيس اللغة - ابن فارس - الصفحة ٣٠٦ - باب الدال و الهاء و ما يثلثهما
و آله و سلم: «لا تسبُّوا الدَّهْرَ فإنَّ اللّٰهَ هُوَ الدّهر»
، فقال أبو عبيد: معناه أنّ العربَ كانوا إِذا أصابتْهم المصائبُ قالوا: أبادَنَا الدّهرُ، و أتَى علينا الدّهر.
و قد ذكروا ذلك فى أشعارهم. قال عمرو الضُّبَعِىّ [١]:
رَمَتْنِى بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أَرَى * * * فكيفَ بمن يُرمَى و ليس بِرَامِ
فلو أنَّنِى أُرَمى بنَبْلٍ تَقَيْتُها * * * و لكنَّنى أُرَمى بغير سِهامِ
و قال آخر [٢]:
فاستأثرَ الدّهرُ الغَدَاةَ بهمْ * * * و الدّهرُ يرمِينِى و ما أَرْمِى
يا دهرُ قد أكثَرْتَ فَجْعَتَنَا * * * بسَرَاتنا و وقَرْتَ فى العَظْمِ [٣]
و سلَبْتَنَا ما لستَ تُعْقِبُنا * * * يا دَهرُ ما أنصفْتَ فى الحُكْمِ
فأعلَمَ رسولُ اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، أن الذى يفعل ذلك بهم هو اللّٰه جلّ ثناؤُه، و أنّ الدّهرَ لا فِعلَ له، و أنّ مَن سَبَّ فاعِلَ ذلك فكأنّه قد سَبَّ ربّه، تبارك و تعالى عمّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيراً.
و قد يحتمل قياساً أن يكون الدَّهرُ اسماً مأخوذاً من الفِعْل، و هو الغَلَبة، كما يقال رجل صَوْمٌ و فِطرٌ، فمعنى لا تسبُّوا الدَّهْرَ، أى الغالبَ الذى يقهركم و يغلِبُكم على أموركم.
و يقال دَهْرٌ دَهِيرٌ، كما يقال أبدٌ أبِيدٌ. و فى كتاب العين: دَهَرَهُم أمْرٌ،
[١] فى الأصل: «الضائع»، و إنما هو عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة. انظر المعمرين ٦٢، ٨٩ و معجم المرزبانى ٢٠٠ و الخزانة (١: ٣٣٨) حيث أنشد الشعر له.
[٢] هو الأعشى. انظر ملحقات ديوانه ٢٥٨ و اللسان (وقر).
[٣] فى الأصل: «و قد قرت»، تحريف.