فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٣٤٩
زاجر و لا مانع عمّا نريد، و لا نخاف أحدا في ترك الانقياد للأوامر و عدم الانزجار عن النواهي. و يكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله سبحانه «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» الآية، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان اللّه سبحانه و إخباره بموت الرسول مدخل في الجواب إلّا بتكلّف.
و يحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما أفصح عنه عمر بن الخطّاب، و سيأتي في مطاعنه. فبعد تحقّق موته عرض لهم شكّ في الإيمان، و وهن في الأعمال؛ فلذلك خذلوها و قعدوا عن نصرتها. و حينئذ مدخليّة حديث الإعلان و ما بعده في الجواب واضح. و على التقادير لا يكون قولها- صلوات اللّه عليها-:
«فخطب جليل» داخلا في الجواب و لا مقولا لقول المخاطبين على استفهام التوبيخيّ، بل هو كلام مستأنف لبثّ الحزن و الشكوى، بل يكون الجواب ما بعد قولها «فتلك و اللّه النازلة الكبرى». و يحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم أنّ موته صلّى اللّه عليه و آله الّذي هو أعظم الدواهي قد وقع، فلا يبالي بما وقع بعده من المحظورات، فلذلك لم ينهضوا بنصرها، و الانتصاف ممّن ظلمها.
و لمّا تضمّن ما زعموه كون مماته صلّى اللّه عليه و آله أعظم المصائب سلّمت (عليها السلام) أوّلا في مقام تلك المقدّمة لكونها محض الحقّ، ثمّ نبّهت على خطائهم في أنّها مستلزمة لقلّة المبالاة بما وقع و القعود عن نصرة الحقّ و عدم اتّباع أوامره صلّى اللّه عليه و آله بقولها «أعلن بها كتاب اللّه» إلى آخر الكلام. فيكون حاصل الجواب: إنّ اللّه قد أعلمكم بها قبل الوقوع، و أخبركم بأنّها سنّة ماضية في السلف من أنبيائه، و حذّركم الانقلاب على أعقابكم كيلا تتركوا العمل بلوازم الإيمان بعد وقوعها، و لا تهنوا عن نصرة الحقّ و قمع الباطل. و في تسليمها ما سلّمته أوّلا دلالة على أنّ كونها أعظم المصائب ممّا يؤيّد وجوب نصرتي، فإنّي أنا المصاب بها حقيقة و إن شاركني فيها غيري؛ فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحقّ و أحرى.
و يحتمل أن يكون قولها (عليها السلام) «فخطب جليل» من أجزاء الجواب، فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة أو المركّب من بعضها مع بعض. و حاصل الجواب حينئذ: أنّه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى و قد كان اللّه عزّ و جلّ أخبركم بها و أمركم أن لا ترتدّوا بعدها على أعقابكم، فكان الواجب عليكم دفع الضيم عنّي و القيام بنصرتي. و لعلّ الأنسب بهذا الوجه ما في رواية ابن أبي طاهر من قولها «و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه» بالواو دون الفاء.
و يحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها و للآخر اخرى، و يكون كلّ مقدّمة من مقدّمات الجواب