فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٥٣٤
فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها (عليها السلام).
اعلم أنّه لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله افتجع له الصغير و الكبير، و كثر عليه البكاء، و قلّ العزاء، و عظم رزؤه على الأقرباء و الأصحاب و الأولياء و الأحباب و الغرباء و الأنساب، و لم تلق إلّا كلّ باك و باكية، و نادب و نادبة. و لم يكن في أهل الأرض و الأصحاب، و الأقرباء و الأحباب، أشدّ حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من مولاتي فاطمة الزّهراء (عليها السلام)، و كان حزنها يتجدّد و يزيد، و بكاؤها يشتدّ.
فجلست سبعة أيّام لا يهدأ لها أنين، و لا يسكن منها الحنين، كلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل، فلمّا كان في اليوم الثّامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت، فكأنّها من فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله تنطق؛ فتبادرت النسوان، و خرجت الولائد و الولدان، و ضجّ النّاس بالبكاء و النحيب و جاء النّاس من كلّ مكان، و أطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النّساء، و خيّل إلى النّسوان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قام من قبره، و صارت النّاس في دهشة و حيرة لما قد رهقهم، و هي (عليها السلام) تنادي و تندب أباه: وا أبتاه، وا صفيّاه، وا محمّداه! وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل و اليتامى، من للقبلة و المصلّى، و من لابنتك الوالهة الثّكلى.
ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها، و هي لا تبصر شيئا من عبرنها و من تواتر دمعتها حتّى دنت من قبر أبيها محمّد صلّى اللّه عليه و آله فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها، و دام نحيبها و بكاها، إلى أن اغمي عليها، فتبادرت النّسوان إليها فنضحن الماء عليها و على صدرها و جبينها حتّى أفاقت، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت و هي تقول:
رفعت قوّتي، و خانني جلدي، و شمت بي عدوّي، و الكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، و حيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، و انقطع ظهري، و تنغّص عيشي، و تكدّر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، و لا رادّا لدمعتي و لا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، و مهبط جبرئيل، و محلّ ميكائيل. انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، و تغلّقت دوني الأبواب، فأنا للدّنيا بعدك قالية، و عليك ما